Translate

2014-03-07

ابن تيمية المجدد .

بسم الله الرحمن الرحيم :
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد و هو على كل شيئ قدير .
و أشهد  أن نبينا و إمامنا و قدوتنا على الإطلاق هو سيدنا محمد النبي الخاتم الذي رفع الله به الجهل و الظلم و الشرك ، و  أقام به العلم و العدل و التوحيد ، فصلّى اللهم و سلم عليه ما دامت السماوات و الأرضيين ، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء ، و السادة الحنفاء ، المميزين بالرعاية و العناية و الاصطفاء ، أبي بكر و عمر و عثمان و علي و عن الصحابة أجمعين و عن التابعين و تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :


إن الجانب المهم الذي يعارضه ابن تيمية في فلسفة اليونان هو جانب (الإلهيات).. إنه يؤكد عجز فلسفة اليونان عن إدراك سر الإلهيات وفقرها وقلة بضاعتها في ذلك, ويثبت مرة تلو أخرى إخفاق فلاسفة اليونان وخيبتهم وجهلهم بذلك.. يقول ابن تيمية: (للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات, فإنهم أجهل الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير الخطأ). ويقول أيضاً: (وأما معرفة الله ـ تعالى ـ فحظهم منها مبخوس جداً ـ وأما ملائكته وكتبه ورسله فلا يعرفون ذلك البتة, ولم يتكلموا فيه بنفي ولا بإثبات, وإنما تكلم في ذلك متأخروهم الداخلون في الملل)أ . هـ


· ويقرن ابن تيمية في موضع آخر بين أقوال الفلاسفة وبين أقوال الأنبياء, ويتعجب كيف يترك البعض كلام وحقائق الأنبياء إلى أمثال هؤلاء الفلاسفة فيقول: (إذا نظر في كلام معلمهم الأول أرسطو, وتدبره الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين وصار يتعجب تعجباً لا ينقضي ممن يقرن علم هؤلاء بالإلهيات بما جاءت به الأنبياء، ويرى أن هذا من جنس من يقرن الحدادين بالملائكة بل من يقرن دهاقين القرى بملوك العالم فهو أقرب إلى العلم والعدل ممن يقرن هؤلاء بالأنبياء فإن دهقان القرية متول عليها كتولي الملك على مملكته, فله جزء من الملك)أ . هـ


· أما المنطق فقد تناوله ـ وهو الذي سحر عقول المسلمين ـ بالنقد اللاذع, ولم يكتف بالإفتاء بحرمته كما فعل البعض, بل عمد إلى بحوثه وقضاياه, وفندها بأسلوب عقلي واستدلالي بحت وأثبت أنها لا تقوم إلا على أساس متضعضع ضعيف.. فقد اعتبر ابن تيمية أن المنطق ليس ميزاناً للعلوم العقلية فيقول:(وهؤلاء يقولون.. إن المنطق ميزان العلوم العقلية, ومراعاته تعصم الذهن عن أن يغلط فيفكر, كما أن العروض ميزان الشعر والنحو والتصريف ميزان الألفاظ العربية المركبة والمفردة .. ولكن ليس الأمر كذلك, فإن العلوم العقلية تعلم بما فطر الله عليه بنى آدم من أسباب الإدراك, لا تقف على ميزان وضعي لشخص معين .. وقد كانت الأمم قبلهم - أي اليونان - تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع, وعامة الأمم بعدهم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم, وجماهير العقلاء من جميع الأمم يعرفون الحقائق من غير تعلم منهم بوضع أرسطو، وهم إذا تدبروا أنفسهم وجدوا أنفسهم تعلم حقائق بدون هذه الصناعة الوضعية) أ . هـ


· كذلك لم يكتف ابن تيمية بتوجيه النقد الإجمالي والإيرادات الأساسية إلى فن المنطق بل إنه تناول الفن بأسره بالنقد والاجتهاد والاحتساب العلمي, ورفض كثيراً من أصوله ومسلماته, وانتقدها من الناحية العقلية والفنية الخالصة, وأثبت ضعف كثير من حدوده ونقضها, وأورد له حدوداً أحسن منها, وخالف عديداً من قضاياه وترتيبها, وأثبت ترجيح الاستقراء بإزاء القياس الذي هو أساس منطق أرسطو, وادعى أن الاستقراء طريق طبيعي أضمن وأسهل إلى طلب العلم واليقين, كما أنه قدم عدة نظرات جديدة في المنطق والفلسفة وزاد إلى هذا الفن.


· يقول السيد سليمان الندوي في مقدمة كتاب: الرد على المنطقيين لابن تيمية معترفاً بخدمته وعظمته في هذا المجال فيقول: (ما قال المصنف في حقيقة الحد والجنس والفصل واللزوم, وحقيقة العلة والقياس والاستقراء, والاستدلال بالمشهورات, والاكتفاء بمقدمة واحدة في القياس, وغيره من المباحث العويصة التي حل المصنف مشكلها ببيان واضح ودليل راهن, وما قال في العلة واللزوم هو عين ما قال.. هيوم الفلسفي في كتبه, ومسألة اللزوم والعلية من المسائل العويصة التي ضلت في واديها الأفهام, ونبعت من عيونها ضلالات الطباعيين من أهل الإلحاد, وكم لهذا النابغة في هذا الكتاب من نوادر لم يسبقه إليها أحد). أ . هـ


· كذلك لم يفت ابن تيمية نقد علم الكلام, واعتبر أن المتكلمين والفلاسفة كلهم إنما ارتكبوا نوعاً واحداً من الخطأ, وأن خطة عملهم واحدة بالرغم من جميع الخلافات التي توجد بينهم, إن خطأ كل من هؤلاء وضعفهم أنهم حاولوا أن يعتمدوا على الحدس في الحصول على الشيء الذي لا يحصل بالحدس والتخمين, وصارعوا الفطرة والنبوة كلتيهما, ولذلك فإن تحقيقاتهم إثمهما أكبر من نفعهما.. وكان يرى أن دلائل المتكلمين والفلاسفة وأسلوب استدلالهم يتضمن تطويلاً وتكلفاً لا طائل من ورائه, فإن الحقائق والمقاصد التي تناولها المتكلمون وحاولوا إثباتها بدلائل ومقدمات طويلة مطولة إنما يمكن إثباتها بغاية من الاختصار وأسلوب يتفق مع الفطرة, وتمثل ببيت الشاعر..



أقام بعمل أياماً رويته .. وشبه الماء بعد الجهد بالماء.



ثالثاً: تجديد علوم الشريعة..



· قام ابن تيمية بتجديد علوم الشريعة بجنب ما أنجز من جلائل الأعمال العلية التي كانت تتسم بالسعة والعمق وبالامتزاج بين العقل والنقل إنه قضى على ذلك الجمود والاضمحلال اللذين كانا قد تسربا إلى الفكر الإسلامي.. وفتح أبواباً جديدة للفكر.


· لقد تبحر ابن تيمية ـ بفضل ذكائه وقوة ذاكرته الموهوبة ـ في علوم الشريعة المختلفة من فقه وتفسير وحديث وخلافه, واستساغها فكرياً, واستفاد مما خطه السابقون في هذه العلوم.. إلا أن نفسه الطموح, وعقله النادر الكبير, وقلمه السيال البليغ لم يكن كل ذلك تقنعه بأن يكتفي بالنقل والرواية والشرح والتلخيص أو الاختبار فما كاد يفارقه علمه العميق بكتاب الله تعالى, وإطلاعه الواسع الصحيح على مقاصد الشريعة وملكته الراسخة في أصول الفقه وأصول التشريع في أي مرحلة من مراحل تأليفه.


· وكل موضوع يريد أن يؤلف فيه ينفخ فيه روحاً جديدة بعلمه الناضج, ولذلك لا نجد أي كتاب من كتبه يخلو من حقائق علمية جديدة وبحوث ناقدة, ومباحث أصولية جديدة, بل إن مؤلفاته تشق طريقاً جديداً لفهم الكتاب, وتفتح بابا جديداً إلى إدراك مقاصد الشريعة.ففي الفقه ـ مثلاً ـ درس ابن تيمية المذاهب الفقهية, والآراء الفقهية وهضمها, ثم حاول التوفيق بين الفقه والسنة, وجعل الفروع والآراء الفقهية تابعة للأحاديث الصحيحة, واجتهد في المسائل المستحدثة, والأحوال والمقتضيات الجديدة ولم يعكف على أراء سابقيه بالتقديس كما كان يفعل بعض علماء عصره, بل كان متبعاً للدليل فحيثما سار به سار معه وإن خالف آراء مَنْ سبقوه .. ولعل هذه النقطة هي التي أقامت عليه علماء عصره, إذ كان التقليد ـ آنذاك ـ قد تمكن من قلوب أهل العلم, وصارت أراء أئمة المذاهب لها قدسية لا يستطيع أحد حتى مناقشتها, مع أن الأئمة ـ رحمهم الله ـ كانوا يوصون بإتباع الدليل, وأن كل أحد يؤخذ منه ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم.. ونضرب هنا مثالاً لبعض الآراء التي خالف فيها ابن تيمية من سبقوه وجلبت عليه العداوات والحزازات..


· فمنها مسألة الطلقات الثلاثة في مجلس واحد.. فيقول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة أنه يقع ثلاثاً.. ولكن ابن تيمية ذهب إلى أن هذه الطلقات إنما تعتبر واحدة ويمكن معها الرجعة كالطلقة الواحدة, واستدل ابن تيمية على رأيه بأدلة كثيرة ومتنوعة.. (يرجع إليها في موضعها).


· وكذلك مسألة الحلف بالطلاق وهى أن يقول الرجل: عليّ الطلاق لأفعلن كذا وهذه المسألة كانت ذات بعد سياسي, إذ كانت قد أدخلت في صيغة البيعة للولاة والأمراء كلمات الطلاق لتثبيت البيعة وتأكيدها منذ عهد الحجاج بن يوسف حتى إن هذه الكلمات صارت كجزء للبيعة وذلك كأن يقول : لو أنني خرجت عن بيعة فلان فزوجتي طالق.


· تأمل ابن تيمية مسألة الحلف بالطلاق, وبداله أن هذا نوع من الحلف, وأن القائل يحنث إذا خالف قوله وعمل خلافه وتلزم عليه كفارة اليمين من غير أن يقع الطلاق.. ، , وهذه المسألة أثارت عليه عداوات كثيرة وأوذي بسببها وابتلى ما نريد قوله أن ابن تيمية ـ رحمه الله ـ استطاع أن يتخلص من ربقة التقليد وأن ينطلق في آفاق الاجتهاد الرحبة, ومع شدة تعظيمه للأئمة الأربعة وحبه لهم إلا أنه كان لا يجد غضاضة في مخالفتهم إذا أداه اجتهاده إلى ذلك مع اعترافه بسبقهم وفضلهم وهكذا استطاع ابن تيمية أن يعيد الحيوية لعلوم الشريعة من جديد, وأن يجدد فيها, وينفخ فيها من روحه الوثابة, التواقة إلى الوصول إلى الحق, مهما كلفه ذلك من جهد وبذل.


و الله الموفق لا رب سواه .


يتبع إن شاء الله تعالى .

هناك 4 تعليقات:

  1. djazaka allahou ana koula kheir wa tabetaka fi edounia wa el akhira

    ردحذف
    الردود
    1. و فيكم بارك الرحمن أخي مروان ، و أسأل الله لي و لك التوفيق و السداد ، و أن يرحمنا الله برحمته ، و يعيننا على تعلم دينه ، و يرزقنا الإخلاص في ذلك كله ، و دمت موفقا .

      حذف
  2. )oudoo allah li an youyaserali fi el fehme wa hifde el coran el karim ala el tarika aleti youhibouha allah soubhanahou wa taala wa yarda biha wa an nakoune min atbaa sayidouna mouhed sala allahou alayhi wa salam wa an yatawafana wa houwa radin ana amin

    ردحذف
  3. أسأل الله تعالى أن يوفقك لحفظ كتاب الله العظيم ، و يسهل عليك ذلك ، و أن يرزقك فهما صائبا لحقائق الدين و شرائعه ، أصولا و فروعا ، و الله الموفق لا رب سواه .

    ردحذف