بسم الله الرحمن الرحيم :
مقام الشيخ بركات .
كان الأستاذ عادل يتبادل الحديث مع الأستاذ سعيد وهما في طريقهما إلى المدرسة في الكَفْرْ ، عندما صعد الحافلة متسول نصف معتوه ، كبير في السن يهتز ويتأرجح ، ويمسح لعابه بكمه المتهدل المتسخ ، يستجدي الركاب ويتهدد ويتوعد ، يهددهم بأنه سيدعو عليهم بأن تنقلب الحافلة بهم في عرض الطريق .
ويبدو أن الأستاذ سعيد من منبت متأثر كثيراً بالكرامات والأولياء ، والأبدال والأوتاد ! حيث إنه طلب من الأستاذ عادل أن يبادر إلى إعطائه بعض الدراهم خشية أن تنقلب الحافلة فعلاً . لأن المتسول المذكور (عبد الكريم أبو شطة) من المباركين المستجابي الدعوة .
أجابه الأستاذ عادل : هل تتكلم من كل عقلك يا أستاذ ؟
- طبعا ولم لا ؟ فإن الأحاديث عن الخوارق التي جرت على يديه يتناقلها
الصغير والكبير ، وسترى بعد قليل أنه سينزل ونمضي نحن في الحافلة ، ويسبقنا إلى القرية التالية ماشياً ، حيث
سينتظرنا هناك .
- لا حول ولا قوة إلا بالله !
- ماذا يا أستاذ عادل ؛ أو تنكر الكرامات ؟
- وهل قلت لك أني أنكر الكرامات ؟
- لا لم تقل ولكن لسان حالك يقول هذا .
- أنا لا أنكر الكرامات بشكل مطلق يا أستاذ سعيد . فالله قادر أن يكرم من شاء من عباده ، لكن أن تصبح الكرامات طعامنا وشرابنا وتدخلنا في باب إشراك هؤلاء العبيد والأموات مع الله سبحانه وتعالى في الخلق والأمر فلا .
- يعني أنت لا تصدق أن الشيخ أحمد أبو سرود قد جاء من عرفات إلى استانبول وأكل الكبة المشوية عند أهله وعاد ليلاً إلى عرفات ؟
- يا أستاذ سعيد ، بارك الله في عقلك أهذا الذي تعلمته في الجامعة ؟
- بدأنا بأسلوب السخرية !
- لا يا أستاذ سعيد أنا لا أسخر منك ، ولكن أن يكون كلام العوام وخرافاتهم كلاماً منزلاً محكماً لا يقبل النقد ، وتناقشني شهراً كاملاً حول حجية حديث الآحاد ، وأنه لا يجوز أن نأخذ به في العقيدة لأنه ظني فهذا غير معقول .
- ولكن هذه الكرامات لا ينقلها العوام فقط ، بل إن ساداتنا المشايخ ينقلون كثيراً منها عن أصحاب المقامات والأضرحة .
طيب يا أستاذ سعيد ما رأيك لو برهنت لك برهاناً عملياً أن كل هذه المقامات والأضرحة خلط بخلط ؟
أعوذ بالله ! أعوذ بالله !
(وكانت الحافلة قد وصلت بهم إلى الدوار الموصل إلى الكَفْرْ)
هل هنا على هذا الدوار مقام أو ضريح يا أستاذ سعيد ؟
-لا .
إذاً ما رأيك لو أشعنا في الكفر أن على هذا الدوار قبراً قديماً لأحد الصالحين قد اندرس وضاعت معالمه ؟
لماذا ؟
- لأريك بأم عينك أن الناس ستحمل هذه الإشاعة محمل الجد ، وربما يقيمون في العام القادم مقاماً كبيراً للشيخ المزعوم !
دعك من هذا يا رجل ، وهل تظن الناس مجاذيب إلى هذا الحد ؟
طيب ، أنت ماذا تخسر إذا تعاونت معي ؟ أم أنت خائف من النتيجة .
- لا لست خائفاً ، ولكن !
وبما أنك نصف موافق فما رأيك أن نطلق على الشيخ المزعوم اسم : الشيخ بركات ؟
- طيب ، كما تشاء .
واتفقا على إشاعة الأمر بأسلوب هادئ في المدرسة وعند الحلاقين باعتبار أن دكان الحلاق من أهم وسائل الإعلان .
أجاب الحلاق (سليم أبو لسان) موافقاً على كلام الأستاذ عادل : طبعاً لابد أن يكون الأمر صحيحاً . وهل من المعقول أن الجديدة وأم الكوسا عندهم عشرات الصالحين ، ونحن لا يوجد عندنا ولا مقام واحد ؟
- الشيخ بركات يا حاج سليم كان من كبار الصالحين وكانت له مكانته عند الباب العالي .
إذاً أنت تعرف كل هذه المعلومات عن الشيخ بركات قدس الله سره وتسكت .
لا والله أنا لست ساكتاً ولكن المسألة غابت عن ذهني في زحمة المشاكل .
(وانتشر الخبر في الكفر انتشار النار في الهشيم . ورآه عدد من الناس في المنام ، وتحدثوا عن طوله الفارع ، وعمامته الضخمة وكراماته التي لا تحصى ، وكيف أن المئذنة كانت تنزل إليه عندما كان يريد أن يؤذن .. و ..
و .. ) .
(وبدأ الحديث في المدرسة بين أخذ ورد بين الأساتذة جميعاً) .
- دعوكم من هذه الخرافات يا ناس .
يعنى تريد أن تقول أن الشيخ بركات غير موجود ؟
- طبعاً غير موجود .
- ما الذي تقوله يا رجل ؟ ولماذا تريد مسخ الصورة الجميلة للشيخ بركات
رحمه الله ، وكيف تجرؤ أن تقول هذا ؟ وهل تستطيع أن تثبت ذلك ؟
- قبل أن تؤكد أن الشيخ بركات لم يوجد ، وأنه لم يكن قط . عليك أن تعتبر ظروف الوجود ، وأنواع الوجود . وأنا متأكد من أن الشيخ بركات كان موجوداً لكنه وجود من نوع شاعري خاص غريب .
- ولكن يا إخوة كيف انفجر الينبوع الغربي في الكفر على يديه إذا لم يكن موجوداً ؟ !
-لا ، لا ، هو موجود ، لقد وجد على وجه ما .
أجاب المدير باستخفاف . تعني أنه وجود ذهني في الخيال ؟
- أو ليس الوجود الخيالي وجوداً أو ليس الأشخاص الأسطوريون موجودين ؟
صحيح إنه ربما يكون وجود الشيخ بركات خيالياً ، لكن افتراض وجوده ، وتأكيد هذا الوجود ، هو تأكيد على وجود الأشخاص الذين يمثلون الخير والصلاح في هذا المجتمع .
- لقد كان الشيخ بركات موجوداً . إنني أصر على ذلك ، تفكروا أيها الأخوة قليلاً تصلوا إلى نتيجة تقول بأن شرط الوجود لا يشمل المادة فقط ، إنه يعني فقط العلاقة بين الصفة والموضوع ، إنه يعبر عن علاقة فقط ، حتى الصفات يمكن أن تأتي بعد ذلك . والمهم هو الجوهر وبعض الصفات الذاتية كالوجود . وقضية الوجود مفروغ منها بالأدلة المنطقية .
وكيف ذلك يا أستاذ ؟
- القضية بسيطة : - كل ما يقول عنه العلماء والمشايخ موجود فهو موجود .
- قال العلماء إن الشيخ بركات موجود .
- إذاً فالشيخ بركات موجود .
- المصيبة أن الشيعة الإمامية الذين قالوا بعصمة الأئمة أدى بهم هذا إلى التطرف فكيف بمن يقول بعصمة كل من وضع على رأسه خرقة ملفوفة ؟ !
- أتكفرني يا أستاذ السند والدليل ؟ !
- هو لا يكفرك يا أستاذ ! طول بالك !
- ولكن لابد من الإقرار بأن الوجود من دون صفة هو - عملياً - عدم وجود
شيء .
- ولكن صفات الشيخ موجودة وأكيدة ألم تقرأ ما كتبت عنه الجريدة البارحة؟ وماذا كتبت ؟
- تحت عنوان » اكتشاف مقام الشيخ بركات « كتبت تقول :
ولد الشيخ بركات قدس الله سره في قرية الكفر عام 1100هـ وهو من سلالة سيدنا خالد بن الوليد ، وقد درس على عدد كبير من العلماء منهم فلان وفلان ، ولقد اشترك مع الجيش التركي في إحدى معاركه مع الصليبيين . وما إن استبد به الحماس حتى نفخ عليهم ، فآثار زوبعة ضخمة ، رفعت الجيش المعادي مسافة مائة متر في الهواء ، وسقطوا جميعاً مضرجين بدمائهم ...
ومن أين جاء الصحفي بهذه المعلومات ؟
- وهل جاء بها من بيت أبيه ؛ هذا تاريخ . ووالله أنت لا تصدق ولو رأيت الشيخ بركات بأم عينيك . وهل عدم معرفتك لدليل على صحة المعلومات يعني أن المعلومات غير صحيحة ؟
- ولكن هذه دعوى وتحتاج إلى دليل ، فالبينة على من ادعى ، وعلي وعليك التثبت من صحة أي دعوى ، وإلا ادعى كل واحد منا ما يحلو له .
- هذه ليست دعوى ، إنها حقيقة ، وأنت الذي تدعي عدم صحة الخبر ، وعليك البينة .
- يا رجل لا تحمل الأمر أكثر مما يحمل ، وتستخدم كل وسائل الجدل في
إثبات قضية اخترعها خيال الأستاذ عادل ، ليثبت بها غوغائية الجمهور ، والسير بلا تثبت وراء كل ناعق .
- الأستاذ عادل اخترعها ! ؟ - أولاً : الأستاذ عادل يحب الجدل مثلك ، وكل قضية يطلب عليها دليل ، ودعواه عندنا غير مقبولة . فإنه من حقده على الأولياء والصالحين يدعي أنه هو الذي اخترع وجود الشيخ بركات ، والشيخ بركات قدس الله سره موجود من زمن أجداده ، ولن تنفعه دعواه شيئاً . وثانياً : فإن هذا الادعاء يزرع الشك في كل الأولياء والصالحين ومقاماتهم وكأن الدنيا خلت تماماً من الصلاح والصالحين . أعوذ بالله ! !
وقرع الجرس وانصرف الأساتذة إلى الدروس ، وسار الأستاذ سعيد مذهولاً مما رأى يحدث نفسه : معقول ؟ غير معقول ! . أيمكن أن تكون كل هذه الناس مجاذيب ؟ والجريدة ؟ أيمكن أن تردد ما يقوله الناس بدون تمحيص ؟ غريب ! !
إن في الأمر لغزاً ما ، كيف اجتمع المشايخ بالأمس في الدوار وأقاموا الحضرة (احتفال) للشيخ بركات ؟ والشيخ بركات اخترعه الأستاذ عادل ! ! أيمكن أن يكون الخرف أصابهم جميعاً ؟ غير ممكن ! ! غير ممكن ! !
وبدأت تتسرب إلى ذهنه فكرة جديدة تحل له اللغز . وهي أن الشيخ بركات موجود فعلاً ، وأن الأستاذ عادل يعلم ذلك مسبقاً وقد خدعه وأوهمه أنه هو الذي اخترع وجود الشيخ بركات .
وحاول الأستاذ عادل أن يزيل هذه الفكرة من رأسه لكنه لم يفلح .
واستمر النقاش في المدرسة على هذا المنوال عدة أيام ، وكان العام الدراسي في أواخره ، وقد انتهت المناقشات بذهاب كل أستاذ إلى بلده عندما حانت العطلة الصيفية .
* * *
وفي العام التالي ركب الأستاذ عادل والأستاذ سعيد الحافلة ذاهبين إلى المدرسة في الكفر ، وكان الأستاذ عادل قد نسي الموضوع لكنه انتبه إلى الأستاذ سعيد وهو يتمتم في سره ببعض العبارات عندما أصبحوا على مقربة من الدوار . وكم كانت دهشتهم كبيرة عندما وجدوا بناءاً جميلاً لمقام الشيخ بركات ينتصب شامخاً على الدوار وبجانبه مسجد كبير فخم على الطراز المعماري التركي .
ابتسم الأستاذ عادل ونظر إلى الأستاذ سعيد .
لكن الأستاذ سعيد لم يعره كبير انتباه ، بل طلب من السائق أن يتوقف قليلاً ،
ورفع يديه وقرأ الفاتحة على روح الشيخ بركات .
مقام الشيخ بركات .
كان الأستاذ عادل يتبادل الحديث مع الأستاذ سعيد وهما في طريقهما إلى المدرسة في الكَفْرْ ، عندما صعد الحافلة متسول نصف معتوه ، كبير في السن يهتز ويتأرجح ، ويمسح لعابه بكمه المتهدل المتسخ ، يستجدي الركاب ويتهدد ويتوعد ، يهددهم بأنه سيدعو عليهم بأن تنقلب الحافلة بهم في عرض الطريق .
ويبدو أن الأستاذ سعيد من منبت متأثر كثيراً بالكرامات والأولياء ، والأبدال والأوتاد ! حيث إنه طلب من الأستاذ عادل أن يبادر إلى إعطائه بعض الدراهم خشية أن تنقلب الحافلة فعلاً . لأن المتسول المذكور (عبد الكريم أبو شطة) من المباركين المستجابي الدعوة .
أجابه الأستاذ عادل : هل تتكلم من كل عقلك يا أستاذ ؟
- طبعا ولم لا ؟ فإن الأحاديث عن الخوارق التي جرت على يديه يتناقلها
الصغير والكبير ، وسترى بعد قليل أنه سينزل ونمضي نحن في الحافلة ، ويسبقنا إلى القرية التالية ماشياً ، حيث
سينتظرنا هناك .
- لا حول ولا قوة إلا بالله !
- ماذا يا أستاذ عادل ؛ أو تنكر الكرامات ؟
- وهل قلت لك أني أنكر الكرامات ؟
- لا لم تقل ولكن لسان حالك يقول هذا .
- أنا لا أنكر الكرامات بشكل مطلق يا أستاذ سعيد . فالله قادر أن يكرم من شاء من عباده ، لكن أن تصبح الكرامات طعامنا وشرابنا وتدخلنا في باب إشراك هؤلاء العبيد والأموات مع الله سبحانه وتعالى في الخلق والأمر فلا .
- يعني أنت لا تصدق أن الشيخ أحمد أبو سرود قد جاء من عرفات إلى استانبول وأكل الكبة المشوية عند أهله وعاد ليلاً إلى عرفات ؟
- يا أستاذ سعيد ، بارك الله في عقلك أهذا الذي تعلمته في الجامعة ؟
- بدأنا بأسلوب السخرية !
- لا يا أستاذ سعيد أنا لا أسخر منك ، ولكن أن يكون كلام العوام وخرافاتهم كلاماً منزلاً محكماً لا يقبل النقد ، وتناقشني شهراً كاملاً حول حجية حديث الآحاد ، وأنه لا يجوز أن نأخذ به في العقيدة لأنه ظني فهذا غير معقول .
- ولكن هذه الكرامات لا ينقلها العوام فقط ، بل إن ساداتنا المشايخ ينقلون كثيراً منها عن أصحاب المقامات والأضرحة .
طيب يا أستاذ سعيد ما رأيك لو برهنت لك برهاناً عملياً أن كل هذه المقامات والأضرحة خلط بخلط ؟
أعوذ بالله ! أعوذ بالله !
(وكانت الحافلة قد وصلت بهم إلى الدوار الموصل إلى الكَفْرْ)
هل هنا على هذا الدوار مقام أو ضريح يا أستاذ سعيد ؟
-لا .
إذاً ما رأيك لو أشعنا في الكفر أن على هذا الدوار قبراً قديماً لأحد الصالحين قد اندرس وضاعت معالمه ؟
لماذا ؟
- لأريك بأم عينك أن الناس ستحمل هذه الإشاعة محمل الجد ، وربما يقيمون في العام القادم مقاماً كبيراً للشيخ المزعوم !
دعك من هذا يا رجل ، وهل تظن الناس مجاذيب إلى هذا الحد ؟
طيب ، أنت ماذا تخسر إذا تعاونت معي ؟ أم أنت خائف من النتيجة .
- لا لست خائفاً ، ولكن !
وبما أنك نصف موافق فما رأيك أن نطلق على الشيخ المزعوم اسم : الشيخ بركات ؟
- طيب ، كما تشاء .
واتفقا على إشاعة الأمر بأسلوب هادئ في المدرسة وعند الحلاقين باعتبار أن دكان الحلاق من أهم وسائل الإعلان .
أجاب الحلاق (سليم أبو لسان) موافقاً على كلام الأستاذ عادل : طبعاً لابد أن يكون الأمر صحيحاً . وهل من المعقول أن الجديدة وأم الكوسا عندهم عشرات الصالحين ، ونحن لا يوجد عندنا ولا مقام واحد ؟
- الشيخ بركات يا حاج سليم كان من كبار الصالحين وكانت له مكانته عند الباب العالي .
إذاً أنت تعرف كل هذه المعلومات عن الشيخ بركات قدس الله سره وتسكت .
لا والله أنا لست ساكتاً ولكن المسألة غابت عن ذهني في زحمة المشاكل .
(وانتشر الخبر في الكفر انتشار النار في الهشيم . ورآه عدد من الناس في المنام ، وتحدثوا عن طوله الفارع ، وعمامته الضخمة وكراماته التي لا تحصى ، وكيف أن المئذنة كانت تنزل إليه عندما كان يريد أن يؤذن .. و ..
و .. ) .
(وبدأ الحديث في المدرسة بين أخذ ورد بين الأساتذة جميعاً) .
- دعوكم من هذه الخرافات يا ناس .
يعنى تريد أن تقول أن الشيخ بركات غير موجود ؟
- طبعاً غير موجود .
- ما الذي تقوله يا رجل ؟ ولماذا تريد مسخ الصورة الجميلة للشيخ بركات
رحمه الله ، وكيف تجرؤ أن تقول هذا ؟ وهل تستطيع أن تثبت ذلك ؟
- قبل أن تؤكد أن الشيخ بركات لم يوجد ، وأنه لم يكن قط . عليك أن تعتبر ظروف الوجود ، وأنواع الوجود . وأنا متأكد من أن الشيخ بركات كان موجوداً لكنه وجود من نوع شاعري خاص غريب .
- ولكن يا إخوة كيف انفجر الينبوع الغربي في الكفر على يديه إذا لم يكن موجوداً ؟ !
-لا ، لا ، هو موجود ، لقد وجد على وجه ما .
أجاب المدير باستخفاف . تعني أنه وجود ذهني في الخيال ؟
- أو ليس الوجود الخيالي وجوداً أو ليس الأشخاص الأسطوريون موجودين ؟
صحيح إنه ربما يكون وجود الشيخ بركات خيالياً ، لكن افتراض وجوده ، وتأكيد هذا الوجود ، هو تأكيد على وجود الأشخاص الذين يمثلون الخير والصلاح في هذا المجتمع .
- لقد كان الشيخ بركات موجوداً . إنني أصر على ذلك ، تفكروا أيها الأخوة قليلاً تصلوا إلى نتيجة تقول بأن شرط الوجود لا يشمل المادة فقط ، إنه يعني فقط العلاقة بين الصفة والموضوع ، إنه يعبر عن علاقة فقط ، حتى الصفات يمكن أن تأتي بعد ذلك . والمهم هو الجوهر وبعض الصفات الذاتية كالوجود . وقضية الوجود مفروغ منها بالأدلة المنطقية .
وكيف ذلك يا أستاذ ؟
- القضية بسيطة : - كل ما يقول عنه العلماء والمشايخ موجود فهو موجود .
- قال العلماء إن الشيخ بركات موجود .
- إذاً فالشيخ بركات موجود .
- المصيبة أن الشيعة الإمامية الذين قالوا بعصمة الأئمة أدى بهم هذا إلى التطرف فكيف بمن يقول بعصمة كل من وضع على رأسه خرقة ملفوفة ؟ !
- أتكفرني يا أستاذ السند والدليل ؟ !
- هو لا يكفرك يا أستاذ ! طول بالك !
- ولكن لابد من الإقرار بأن الوجود من دون صفة هو - عملياً - عدم وجود
شيء .
- ولكن صفات الشيخ موجودة وأكيدة ألم تقرأ ما كتبت عنه الجريدة البارحة؟ وماذا كتبت ؟
- تحت عنوان » اكتشاف مقام الشيخ بركات « كتبت تقول :
ولد الشيخ بركات قدس الله سره في قرية الكفر عام 1100هـ وهو من سلالة سيدنا خالد بن الوليد ، وقد درس على عدد كبير من العلماء منهم فلان وفلان ، ولقد اشترك مع الجيش التركي في إحدى معاركه مع الصليبيين . وما إن استبد به الحماس حتى نفخ عليهم ، فآثار زوبعة ضخمة ، رفعت الجيش المعادي مسافة مائة متر في الهواء ، وسقطوا جميعاً مضرجين بدمائهم ...
ومن أين جاء الصحفي بهذه المعلومات ؟
- وهل جاء بها من بيت أبيه ؛ هذا تاريخ . ووالله أنت لا تصدق ولو رأيت الشيخ بركات بأم عينيك . وهل عدم معرفتك لدليل على صحة المعلومات يعني أن المعلومات غير صحيحة ؟
- ولكن هذه دعوى وتحتاج إلى دليل ، فالبينة على من ادعى ، وعلي وعليك التثبت من صحة أي دعوى ، وإلا ادعى كل واحد منا ما يحلو له .
- هذه ليست دعوى ، إنها حقيقة ، وأنت الذي تدعي عدم صحة الخبر ، وعليك البينة .
- يا رجل لا تحمل الأمر أكثر مما يحمل ، وتستخدم كل وسائل الجدل في
إثبات قضية اخترعها خيال الأستاذ عادل ، ليثبت بها غوغائية الجمهور ، والسير بلا تثبت وراء كل ناعق .
- الأستاذ عادل اخترعها ! ؟ - أولاً : الأستاذ عادل يحب الجدل مثلك ، وكل قضية يطلب عليها دليل ، ودعواه عندنا غير مقبولة . فإنه من حقده على الأولياء والصالحين يدعي أنه هو الذي اخترع وجود الشيخ بركات ، والشيخ بركات قدس الله سره موجود من زمن أجداده ، ولن تنفعه دعواه شيئاً . وثانياً : فإن هذا الادعاء يزرع الشك في كل الأولياء والصالحين ومقاماتهم وكأن الدنيا خلت تماماً من الصلاح والصالحين . أعوذ بالله ! !
وقرع الجرس وانصرف الأساتذة إلى الدروس ، وسار الأستاذ سعيد مذهولاً مما رأى يحدث نفسه : معقول ؟ غير معقول ! . أيمكن أن تكون كل هذه الناس مجاذيب ؟ والجريدة ؟ أيمكن أن تردد ما يقوله الناس بدون تمحيص ؟ غريب ! !
إن في الأمر لغزاً ما ، كيف اجتمع المشايخ بالأمس في الدوار وأقاموا الحضرة (احتفال) للشيخ بركات ؟ والشيخ بركات اخترعه الأستاذ عادل ! ! أيمكن أن يكون الخرف أصابهم جميعاً ؟ غير ممكن ! ! غير ممكن ! !
وبدأت تتسرب إلى ذهنه فكرة جديدة تحل له اللغز . وهي أن الشيخ بركات موجود فعلاً ، وأن الأستاذ عادل يعلم ذلك مسبقاً وقد خدعه وأوهمه أنه هو الذي اخترع وجود الشيخ بركات .
وحاول الأستاذ عادل أن يزيل هذه الفكرة من رأسه لكنه لم يفلح .
واستمر النقاش في المدرسة على هذا المنوال عدة أيام ، وكان العام الدراسي في أواخره ، وقد انتهت المناقشات بذهاب كل أستاذ إلى بلده عندما حانت العطلة الصيفية .
* * *
وفي العام التالي ركب الأستاذ عادل والأستاذ سعيد الحافلة ذاهبين إلى المدرسة في الكفر ، وكان الأستاذ عادل قد نسي الموضوع لكنه انتبه إلى الأستاذ سعيد وهو يتمتم في سره ببعض العبارات عندما أصبحوا على مقربة من الدوار . وكم كانت دهشتهم كبيرة عندما وجدوا بناءاً جميلاً لمقام الشيخ بركات ينتصب شامخاً على الدوار وبجانبه مسجد كبير فخم على الطراز المعماري التركي .
ابتسم الأستاذ عادل ونظر إلى الأستاذ سعيد .
لكن الأستاذ سعيد لم يعره كبير انتباه ، بل طلب من السائق أن يتوقف قليلاً ،
ورفع يديه وقرأ الفاتحة على روح الشيخ بركات .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق