Translate

2014-04-18

الدرس السادس عشر من سلسلة دروس العقيدة الإسلامية .



بسم الله الرحمن الرحيم


الدرس السادس عشر من سلسلة دروس العقيدة الإسلامية. 

الأدلة من القرآن على أن الأعمال جزء من الإيمان .




اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .

ومما يدل على أنه لا بد من اعتقاد القلب من إقرار اللسان وعمل الجوارح؛ وصف الله تعالى للمؤمنين الصادقين في كثير من الآيات؛ بصفات زائدة على التصديق؛ إذ وصفهم بالخصال الثلاثة المذكورة؛ كما أطلق - سبحانه وتعالى - صفة المؤمنين الكاملين - حقاً وصدقاً - على الذين آمنوا بالله تعالى، وصدقوا رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يشكوا في ذلك، ولم يرتابوا، وانقادوا لأمره، ثم عملوا بما آمنوا به؛ من أصول الدين وفروعه، وظاهره وباطنه، وظهرت آثار هذا الإيمان في عقائدهم، وأقوالهم، وأعمالهم الظاهرة والباطنة؛ وبهذه الأعمال حققوا الإيمان الكامل؛ فاستحقوا هذا الوصف من ربهم - جل وعلا - فدل كل هذا على أن الإيمان يعم هذه الخصال الثلاث؛ لأن الله تعالى أدخل أعمالهم في مسمى الإيمان في الآيات القرآنية، وجعلها شرطاً في قبول إيمانهم؛ إذن فلا يكون المؤمن مؤمناً حقاً إلا بتلك الأعمال الصالحة، كما قال الله تبارك وتعالى:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ] ، [ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ].

وقال تعالى: [ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ].

وقال تعالى: [ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ].

و قال تعالى: [ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ].

وقال: [ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَ الْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ].

وقال تعالى: [ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ].

وقال تعالى: [ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ].

وقد جعل الله عز وجل - أيضاً - جميع الطاعات من الإيمان في كثير من الآيات، قال الله - سبحانه وتعالى - في كتابه العزيز : { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ }.

لم يختلف المفسرون بأن الله أراد من {إِيمَانَكُمْ} في الآية؛ صلاتكم إلى بيت المقدس فسمى الصلاة إيماناً، ولو لم تكن جزءاً من الإيمان وركنا فيه ؛ لما صح تسميتها به ؛ فهذا دليل بين على أن العمل من الإيمان.

وكذلك قرن الله - عز وجل - الإيمان مع العمل في كثير من الآيات، وجعل جنة الخلد جزاءً لمن آمن وعمل صالحاً.

قال تعالى:[ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ].

وقال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ] .

وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا ].

وقال: { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ].

وقال: [ وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ] .

وقال تعالى: [ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ].

و هذه الآيات الكريمات البينات ؛ كلها تدخل الأعمال الصالحة ، وجميع الطاعات معها في مسمى الإيمان.

إذن صفة المؤمن في القرآن: هو الذي يفعل ما يوجب عليه الشرع من أعمال القلب والجوارح، وإذا فعل كان جزاؤه عند الله أن يدخله الجنة، ويكفر عن سيئاته، ويزحزحه عن النار.

الأدلة من السنة على أن الأعمال جزء من الإيمان :

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (قل آمنت بالله؛ فاستقم) .

وقال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول : لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) .

و قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار) .

وقال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس؛ عندما سألوه عن أمور الدين؛ فأمرهم:

(بالإيمان بالله وحده) وقال: (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم) .

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: (إيمان بالله ورسوله) قيل: ثم ماذا؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور) .

وقال صلى الله عليه وسلم : (من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه) .

و قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) .

وغيرها من الأحاديث النبوية الدالة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق ولا القول بدون العمل وأداء الفرائض.

فهذه هي الأدلة من الكتاب والسنة؛ تدل على أن الأعمال جزء من الإيمان، ولم يثبت المدح فيهما إلا على إيمان معه العمل؛ لا على إيمان خال عن أعمال، وهذا هو القول الحق، الذي أجمع عليه سلف هذه الأمة، ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا.


فتعريفهم للإيمان حكم الشرعي موافق للنقول؛ أما غيرهم فقد مالوا عن الحق وجانبوا الصواب.

و في الحقيقة أن المؤمن الصادق مع ربه - جل وعلا – و الطالب للحق ، العامل لآخرته ؛ يبتعد من شبهات الشيطان و خطواته ، و يتبع الجماعة ، و لا يقول قولاً ولا يعمل عملاً إلا وله فيها إمام من أئمة أهل السنة المعتبرين، ويكفيه - أيضاً - دليل واحد صحيح من الشرع، لكي يعتقد ذلك الأمر ويعمل بها؛ فكيف وقد تضافرت الأدلة الشرعية الصريحة من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على صحة ما أجمع عليه سلف هذه الأمة المعصومة، في مسمى الإيمان، وفي جميع ما يعتقدون، والحمد لله.

خلاصة القول في مسمى الإيمان:
هو ما وقر في القلب، وصدقه اللسان و العمل. و بدت ثمراته واضحة في الجوارح بامتثال أوامر الله تعالى ، و الابتعاد عن نواهيه.

لأن اسم الإيمان يقع على من يصدق بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه - جل وعلا - اعتقاداً، وإقراراً ، و عملاً.

وأن العباد لا يتساون في الإيمان و لا يتماثلون فيه أبداً ؛ لذا من صدق بقلبه ، و أقر بلسانه ، و لم يعمل بجوارحه الطاعات التي أمر بها ؛ لم يستحق اسم الإيمان.

ومن أقر بلسانه ، و عمل بجوارحه ، و لم يصدق ذلك بقلبه ؛ لم يستحق اسم الإيمان.

وإذا تجرد الإيمان عن العمل؛ فلا فائدة فيه، ولو كان الإيمان المجرد عن العمل ينفع أحداً لنفع إبليس - نعوذ بالله منه ومن خطواته - فقد كان يعرف أن الله - عز وجل - واحد لا شريك له، وأن مصيره لا شك إليه سبحانه؛ لكنه عندما جاءه الأمر الإلهي { اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } ولم يشفع له علمه بالوحدانية والربوبية؛ لأنه لم يحقق توحيد العبادة.

إذن فالتصديق المجرد عن العمل لا قيمة له عند رب العالمين!

والإيمان لم يأت في القرآن والسنة مجرداً عن العمل؛ بل عطف عليه العمل الصالح في كثير من الآيات والأحاديث - كما بينا ذلك - وهذا العطف من باب الخاص على العام، أو البعض على الكل؛ وذلك للتأكيد على الأعمال الصالحة.

فالإيمان والعمل متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، والعمل صورة الإيمان وجوهره، وهو من لوازمه ومقتضياته، ونصف معناه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بعد ما نقل أقوال أئمة أهل السنة والجماعة على أن الأعمال جزء من الإيمان:

(وكان من مضى من سلفنا؛ لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل؛ فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق بعمله؛ فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله؛ كان في الآخرة من الخاسرين، وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف؛ وأنهم يجعلون العمل مصدقاً للقول) .

و الله الموفق لا رب سواه .

و إلى لقاء قادم قريب ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق