Translate

2014-04-24

الدرس الأول من سلسلة علم أصول الفقه .

بسم الله الرحمن الرحيم :

الدرس الأول من سلسلة علم أصول الفقه .

إن الحمد لله نحمده ، و نستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا .
من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .وأ شهد أ ن محمداً عبدُه و رسولُه .
[  يَاأَيها الذين آ مَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَا ته ولاتموتن إلا وأنتم مُسلمُون] .

[ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ] .
[  يَا أ يها الذين آ منوا اتقوا الله وقولوا قَو لاً سَديداً يُصلح لَكُم أَ عما لكم وَ يَغفر لَكُم ذُ نُو بَكُم وَ مَن يُطع الله وَ رَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً] .
أما بعد :
نتناول اليوم علما جديدا مهما نتدارسه فيما بيننا عسى الله أن يفتح علينا مغاليق الفهم ، و الله الموفق لا رب سواه.

نشأة علم أصول الفقه: 

إن علم أصول الفقه من أجلّ العلوم الإسلامية ، وهو من العلوم التي تميز بها التشريع الإسلامي الذي لم يسبقه إلى مثله تشريع آخر ، ولكنَّ تاريخ التشريع الإسلامي مرَّ بمراحل يحسن بِنا أنْ نراجعها سريعًا؛ لنتعرَّف كيف نشأ علم الأصول منذ فجر التشريع.

أ- عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -:

في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي تؤْخذ عنه الأحكام؛ حيث كانت الأحكام في عهده وحيًا مُنزَّلاً في كتاب الله - تعالى - أو من سُنَّته القوليَّة والعمليَّة في فتاواه وقضاياه التي كان يقضي فيها بوحيٍّ من الله - تعالى - أو باجتهاده - صلى الله عليه وسلم - فيما يُعرض عليه من قضايا، وبهذا تكونت المجموعة الأولى من الأحكام الإسلاميَّة من أحكام الله - تعالى - وأحكام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وما أقرَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - من أقضية الصحابة.

على أنَّ عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرَّ الاجتهاد للصحابة - رضوان الله عليهم - مثلما أقرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم أصحابه  - رضي الله عنهم - حين أمرهم بالصلاة في بني قريظة؛ فاختلف الصحابة في فهم الأمر و في كيفية تطبيقه ، و مع ذلك لم يعنف أحدا من الفريقين ، و هذا منه صلى الله عليه وسلم إقرار علىى الإجتهاد الذي حصل منهم ، فهذا العصرُ وإن كانت الأحكام فيه هي أحكام الله وأحكام رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنَّ هذا العصر أقرَّ الاجتهاد فيما ليس فيه نصٌّ من كتاب ولا سُنَّة.

ب - عصر الصحابة:


ثم جاء عصر الصحابة - رضي الله عنهم - وبين أيديهم مجموعة الأحكام المثْبَتة في كتاب الله - تعالى - وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولكنَّه حدث في عصرهم من الأقضية والمشكلات ما لم يوجد في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان لا بد لهم أن يجتهدوا في القضايا والوقائع التي جَدَّتْ في عصرهم، فأعْمَلُوا الرأي، فكانوا يلحقون الشبيهَ بشبيهه، ويُسوُّون بينهما في الأحكام، فإن لم يجدوا شبيهًا، كانوا يبذلون الجُهد؛ لتشريع الحكم المناسب، مراعين المصلحة الداعية إلى ذلك.

لقد كان الصحابة "أبرَّ قلوبًا، وأعمق عِلمًا، وأقلَّ تكلُّفًا؛ لما خصَّهم الله - تعالى - به من توقُّد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم وسهولة الأخذ، وحُسن الإدراك وسرعته، وقِلَّة المعارض أو عدمه، وحُسن القصد، وتقوى الربِّ - تبارك وتعالى - فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فِطَرهم وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة، وعِلل الحديث والجَرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا عن ذلك كله؛ فليس في حقِّهم إلا أمران: أحدهما: قال الله كذا، وقال رسولُه كذا، الثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعدُ الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما؛ فقواهم مجتمعة عليهما، هذا إلى ما خُصُّوا به مِن قُوَى الأذهان، وصفائها، وصحتها وقوة إدراكها، وقُرب العهد بنور النبوة، والتلقِّي من المشْكاة النبوية .

وعلى هذا كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إذا ورد عليه حُكمٌ، نظر في كتاب الله - تعالى - فإنْ وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله - تعالى - نظر في سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أنَّ رسول الله قضى فيه بقضاء؟ فربَّما قام إليه القوم فيقولون له: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سُنَّةً سَنَّها النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيُهم على شيءٍ، قضى به، ومن بعد أبي بكر كان عمر - رضي الله عنه - يفعل مثلما فعل أبو بكر، فإذا أعياه أنْ يجدَ ذلك في الكتاب والسُّنَّة، سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإنْ كان لأبي بكر قضاءٌ قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأْيُهم على شيءٍ، قضى به.

وكان عمر - رضي الله عنه - يوصي عُمَّاله بهذا النهج، ويأمرهم أنْ يجتهدوا رأْيهم في كلِّ ما لم يتبيَّن في كتاب الله - تعالى - أو سُنَّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهكذا اجتهد الصحابة، ووضعوا من خلال اجتهادهم القواعدَ الأُولى لاستنباط الأحكام من مصادرها الشرعيَّة.

ونورد هنا بعض القواعد التي تجلَّت في اجتهادات الصحابة - رضي الله عنهم:

القاعدة الأولى:

تقديم القرآن والسُّنَّة على ما سواهما من الرأي في استنباط الأحكام، وعدم المصير إلى الاجتهاد بالرأي، إلا بعد أنْ يُعيي المجتهدَ أنْ يجدَ فيهما حكمَ القضية أو المسألة، وهذا واضحٌ من فِعل أبي بكر الصديق الذي كان يبدأ ببحث المسألة في كتاب الله - تعالى - ثم في سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم استشارة مَن له عِلْم بسُنَّة مأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسألة محل البحث، ثم الاجتهاد بالرأي الجماعي فيما يُشبه المجامع الفقهيَّة في عصرنا اليوم.

القاعدة الثانية:
ظهور الإجماع كدليل من الأدلة التي تُستنبطُ منها الأحكام، وهذا واضحٌ مِن فِعل أبي بكر في جمع رؤساء الناس - وكذلك مِن فِعل عمر - واستشارتهم، فإذا أجمعوا على شيءٍ قضى به.

القاعدة الثالثة:

أنَّ المتأخِّر في النزول ينسخ المتقدِّم في النزول، إذا كان النَّصَّان في موضوعٍ واحدٍ، وتعارضا وعُلِم التاريخ، فإذا لم يُعْلَم التاريخ يُجْمَع بين النَّصَّين في العمل ما أمكن ذلك؛ وذلك لأن أحدهما ليس بأَوْلَى في العمل ما داما في مرتبة واحدة، ونمثِّل لذلك باستدلال عبدالله بن مسعود في مسألة عِدَّة المتوفى عنها زوجها وهي حامل.

عن محمد بن سيرين، قال: لقيتُ مالك بن عامر، أو مالك بن عوف، قلت: كيف كان قول ابن مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل؟ فقال: قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون لها الرخصة؟ أنزلتْ سورة النساء القصرى بعد الطولى".

واستدلال ابن مسعود يَعني أنَّ قول الله - تعالى -: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 4]، في سورة الطلاق - سورة النساء القصرى كما سمَّاها ابن مسعود - ناسخ لقوله - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: 234]، في سورة البقرة - سورة النساء الطولى - وذلك لأنَّ آية البقرة تفيد أنْ عِدة المتوفى عنها زوجها هي أربعة أشهر وعشرة أيام؛ سواء كانت حاملاً أم غير حامل، وتفيد آيةُ سورة الطلاق أنَّ الحامل تعتدُّ بوضع الحمْلِ؛ سواء كان متوفى عنها زوجها أم لا.
ومن الصحابة مَن جمع بين الآيتين، فجعل عِدة المتوفى عنها زوجها بأبعد الأَجَلين.

القاعدة الرابعة:


إلحاق النظير بنظيره عند تساويهما في العِلَّة؛ مِن ذلك ما رُوي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال لعُمر: "إن الرجل إذا شرب سَكِر، وإذا سَكِر هَذَى، وإذا هَذَى افترى؛ فحدُّه حدُّ المفتري ثمانون جلدة" ، قال ذلك عندما شاوره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في حدِّ الشارب، وكان عمر - رضي الله عنه - يرى أنَّ الناس قد تحاقروا العقوبة، وهو قياس يُثْبتُ العِلَّة التي بُنِي عليها الحكم، فهو من القياس.
وهكذا انقضى عصر الصحابة، وهناك قواعد للاستنباط، وإن كانت غير مدوَّنة، ولكن الذي يُراجع أقضية الصحابة يَلحظ من ثنايا استدلالاتهم وفتاواهم هذه القواعد.

ولقد عَلِمَ المجتهدون من بعد الصحابة من التابعين وتابعيهم والأئمة المجتهدين - هذا الفضلَ لهم، يقول الإمام الشافعي: "وقد أثنى الله - تبارك وتعالى - على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن، والتوراة، والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهيَّأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصدِّيقين والشُّهداء والصالحين، أدَّوا إلينا سُننَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشاهدوه والوحي ينزلُ عليه، فعلموا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامًّا وخاصًّا، وعزمًا وإرشادًا، وعَرَفوا من سُنَّته ما عرفنا وجَهِلْنا، وهم فوقنا في كلِّ علمٍ واجتهاد وورعٍ وعقلٍ وأمرٍ اسْتدرك به علمٌ واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأَوْلَى بنَا مَن رأينا عند أنفسنا، ومَن أدركنا ممن يرضى، أو حكي لنا عنه ببلدنا، صاروا إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إنْ تفرَّقوا، وهكذا نقول ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدُهم ولم يخالفه غيره، أخذنا بقوله".
ج - عصر التابعين:
ثم جاء عصر التابعين فنهجوا نهج مَن سبقوهم من الصحابة، وصار بين أيديهم ثلاث مجموعات من الأحكام، هي:
1- أحكام الله - تعالى - في كتابه.
2- أحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سُنَّته.
3- أحكام الصحابة وفتاواهم وأَقضيتهم، ومِن هؤلاء التابعين برز في مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأئمة السبعة و هم على التوالي : 
سعيد بن المسيب، عروة بن الزبير، القاسم بن محمد، خارجة بن زيد، أبو بكر بن عبدالرحمن، سليمان بن يسار، عبيدالله بن عبيدالله بن عتبة بن مسعود.

وفي العراق كان إبراهيم النخعي الذي أخذ علم ابن مسعود - رضي الله عنه - وهكذا في كلِّ مصر كان رجال من التابعين ينقلون عِلْمَ الصحابة، ويجتهدون فيما يجدُّ من فتاوى وأقْضِيَة وأحكام.

وفي هذا العصر اتَّسعتِ الفتوحات الإسلامية ، واتسعتْ تبعًا لها الدولة الإسلامية، ودخل في الإسلام كثيرون، فظهرت الحاجة أكثر وأكثر إلى الاجتهاد والاستنباط لوقائع ومشكلات لم تكن موجودة من قبل؛ مما استدعى تخريج التابعين على فتاوى الصحابة، فضلاً عن الكتاب والسُّنَّة، فاتَّسع مَيدان التشريع للأحكام الفقهيَّة؛ حيث اجتهد التابعون في استنباط الأحكام، فكانت مجموعة الأحكام الفقهية في طورها الثالث مكوَّنة من:
1- مجموعة أحكام القرآن. 
2- مجموعة أحكام السُّنَّة النبويَّة. 
3- مجموعة أحكام فتاوى الصحابة وأقْضِيَتِهم. 
4- مجموعة أحكام التابعين وفتاواهم وأقضيتهم.

وبالطبع - مع هذا الزَّخْم العِلْمي الاجتهادي - قد تمهَّدتْ طُرق للاستنباط والتخريج، ولكن الفقه وأصول الفقه قد ظلاَّ دون تدوين، إلا - ربَّما - التدوين الفردي الذي لم يصل إلينا شيء منه، ولكن الذي بدأ هو تدوين السُّنَّة النبوية في عهد "عمر بن عبدالعزيز".

د- عصر الأئمة المجتهدين: 


وبعد عصر التابعين وتابعي التابعين جاء عصر الأئمة المجتهدين؛ من أمثال الإمام مالك، والإمام الشافعي، وفي هذا العصر بدأ ظهور مدوَّنات في الفقه، ومن أول ما دُوِّن في هذا العصر فيما وصلَ إلينا هو "مُوطَّأ مالك بن أنس" الذي جمع فيه بين تدوين الحديث، وأقوال الصحابة، وفقه التابعين وأقوالهم، فكان كتابًا جامعًا في حقيقته بين الفقه والحديث، وقد جمعه الإمام مالك؛ بناءً على طلب من الخليفة المنصور.

وفي الرسائل المتبادَلة بين العلماء في هذه الفترة يظهر أثرُ العلم الأُصولي بين العلماء، مثلما دار بين الليث بن سعد فقيه مصر الكبير، والإمام مالك بن أنس يناقشه في بعض المسائل، فيظهر أثرُ الاستدلال الفِقْهي الأصولي في عبارات الرسالة، وهاك طرفًا منها:


     "وأنه بلغك أني أُفْتي بأشياءَ مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأني يَحِقُّ عليَّ الخوفُ على نفسي؛ لاعتماد مَن قبلي على ما أفتيتم به، وأنَّ الناس تَبَعٌ لأهل المدينة؛ إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبتَ به من ذلك إن شاء الله - تعالى - ووقع منِّي بالموقع الذي تحبُّ، وما أعدُّ أحدًا قد يُنسب إليه العلم أكره لشواذ الفُتْيَا، ولا أشدَّ تفضيلاً لعلماء أهل المدينة الذين مضوا، ولا آخذ لفَتَاواهم فيما اتفقوا عليه - منِّي، والحمد لله ربِّ العالمين لا شريك له، وأما ما ذكرتَ من مقام رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالمدينة، ونزول القرآن بها عليه بين ظَهْرَاني أصحابه، وما علَّمهم الله منه، وأن الناس صاروا تبعًا لهم فيه، فكما ذكرتَ، وأما ما ذكرتَ من قول الله - تعالى -: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100]، فإن كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله؛ ابتغاءَ مرضاة الله فجنَّدوا الأجناد، واجتمع إليهم الناس فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسُنَّة نبيِّه، ولم يكتموهم شيئًا عَلِمُوه، وكان في كلِّ جُنْدٍ منهم طائفة يُعلِّمون لله كتابَ الله وسُنَّة نبيِّه، ويجتهدون برأْيهم فيما لم يفسِّره لهم القرآن والسُّنَّة، ويُقَوِّمُهم عليه أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم.

ولم يكن أولئك الثلاثة مُضيِّعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون لأجنادهم في الأمر اليسير؛ لإقامة الدين والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسُنَّة نبيِّه، فلم يتركوا أمرًا فسَّره القرآن أو عمل به النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ائتمَرُوا فيه بعده، إلا أعْلَمُوهُم به.
فإذا جاء أمرٌ، عمل فيه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمصر، والشام، والعراق، على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يزالوا عليه حتى قُبضوا لم يأمروهم بغيره - فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يُحدثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سلفُهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين لهم، مع أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اختلفوا بعده في الفُتْيا في أشياء كثيرة، ولولا أني قد عرفتُ أنْ قد عَلِمتَها لكتبتُ بها إليك، ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم، فحضرتُهم بالمدينة وغيرها، ورَأَسَهُم يومئذ ابن شهاب، وربيعة بن أبي عبدالرحمن.

فكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفتُ وحضرتُ، وسمعتُ قولك فيه، وقول ذوي الرأي من أهل المدينة: يحيى بن سعيد، وعبيدالله بن عمر، وكَثِير بن فَرْقَد، وغير كثير ممن هو أسنُّ منه، حتى اضطرك ما كرهتَ من ذلك إلى فراق مَجْلِسه.

وذاكرتك أنتَ وعبدالعزيز بن عبدالله بعض ما نعيبُ على ربيعة من ذلك، فكنتما من الموافقين فيما أنكرتُ، تكرهان منه ما أكرهه، ومع ذلك - بحمد الله - عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حَسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة، ولنا خاصة، رحمة الله عليه، وغفر له، وجزاه بأحسن من عمله" .

من الواضح في هذه الرسالة أنَّ الإمام الليث يناقش الإمام مالك في مشروعيَّة الأَخْذ في مدارك الأحكام بعمل أهل المدينة، كما يناقشه في اختلاف صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد عصر أبي بكر وعمر وعثمان في الفتاوى والأحكام؛ مما يفتح مجالاً لمشروعية الاختلاف في الفتوى في المسائل التي يجوز فيه الاختلاف، وأن التابعين من بعد الصحابة توسَّع الخلاف الفقهي على أيديهم توسُّعًا لم يكن موجودًا من قبل، ثم نرى بعد ذلك مذهب الإمام مالك على أيدي أتباعه، وهو يعتمد عمل أهل المدينة كأحد مصادر التشريع، الأمر الذي أثار نِقاشًا فقهيًّا بين أهل الأصول منذ بعث الإمام مالك رسالته إلى الإمام الليث، وردَّ عليه الإمام الليث في رسالته التي أوردنا هنا طرفًا منها.

ثم دوَّن الإمام محمد بن الحسن الشيباني أيضًا في هذا العصر كُتب ظاهر الرواية الستة وهي:
"المبسوط والزيادات"، و"الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، و"السير الكبير"، و"السير الصغير"، وسُمِّيتْ بكُتب ظاهر الرواية؛ لأنها رويت عن الثِّقات من تلاميذه، فهي ثابتة عنه إما بالتواتر أو بالشهرة، وفي هذا العصر بدأ علم أصول الفقه تتسع رقعته في تخريجات الفقهاء، واستدلالاتهم واستنباطاتهم ومناقشاتهم.

ونورد هنا مناقشة بين أبي حنيفة والإمام الباقر تبيِّن شكل المناقشات الفقهيَّة في ذلك العصر، وتبيِّن البذور الأُولى للتفكير الفِقْهي الأصولي لهذا العصر:
قال الباقر: أنتَ الذي حوَّلتَ دينَ جدِّي وأحاديثه إلى القياس؟ 

قال أبو حنيفة: اجْلِس مكانَك كما يحقُّ لي؛ فإن لك حُرْمة كحرمة جدِّك - عليه السلام - في حياته على أصحابه، فجلس، ثم جَثَا أبو حنيفة بين يديه، ثم قال: إني أسألك عن ثلاث كلماتٍ فأجبْنِي، الرجل أضعفُ أم المرأة؟

قال الباقر: المرأة أضعف، قال أبو حنيفة: كم سهم المرأة في الميراث؟ قال الباقر: للرجل سهمان، وللمرأة سهمٌ، قال أبو حنيفة: هذا علم جدِّك، ولو حوَّلت دينَ جدِّك، لكان ينبغي القياس أن يكونَ للرجل سهمٌ، وللمرأة سهمان؛ لأن المرأة أضعف من الرجل، ثم الصلاة أفضل أم الصوم؟ قال الباقر: الصلاة أفضل، قال أبو حنيفة: هذا قول جدِّك، ولو حوَّلت دينَ جدِّك، لكان أنَّ المرأة إذا طَهُرَتْ من الحيض أمرتُها أن تقضي الصلاة، ولا تقضي الصوم.
ثم البول أنجسُ أم النُّطْفَة؟ قال الإمام الباقر: البول أنجس، قال أبو حنيفة: لو كنتُ حوَّلتُ دينَ جدِّك بالقياس، لكنتُ أمرتُ أن يُغتسلَ من البول، ويُتوضَّأ من النُّطْفَة، ولكنْ معاذ الله أن أحوِّلَ دينَ جدِّك بالقياس، فقام الإمام الباقر، وعانقه، وقبَّل وجهه" .

ففي هذا الحوار بين الإمام الباقر والإمام أبي حنيفة يظهر مصطلح القياس، وأنَّ أول مَن اشْتُهر به وتوسَّع في استخدامه هو الإمام أبو حنيفة، ونرى كيف يحدِّد الإمام أبو حنيفة مجال القياس، وهو أنه يكون عند عدم النصِّ، وهي قاعدة قال بها الأصوليون فيما بعد عندما ضبطوا القياس وبيَّنوا أركانه وشروطه، ولمَّا وقع الخلاف بين أهل الرأي، وأهل الحديث، وادَّعى الاجتهاد نفَرٌ ممن لم يتأهَّل له، وخلطوا في استدلالاتهم، ظهرت الحاجة ماسَّة إلى وَضْع قواعد للاجتهاد، وقد كان للإمام الشافعي: محمد بن إدريس الفضل في إخراج أول مَصنَّف في علم أصول الفقه؛ حيث رسالته الأصولية مقدمة لكتاب "الأم" الذي ألَّفه الشافعي في الفقه، وضمَّنه مَذْهَبه الجديد.
و إلى لقاء يتجدد مع درس جديد من دروس علم أصول الفقه ، و الله المستعان لا رب سواه.




هناك تعليقان (2):

  1. السلام عليكم استاذنا
    لقد أتممت طباعة كل الدروس بفضل الله
    أسأل الله أن يجعل جهودك نوراً في قبرك و يوم تلقاه وأن يرزقك وذويك الفردوس الأعلى
    آمين
    الأخ صديق

    ردحذف
  2. و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .

    ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، أساله تعالى أن يفتح عليك فتحا عظيما في جميع أبواب العلم ، و أن يجعل لك من دعائك أوفر الحظ و النصيب ، و أن يتجاوز عنا بمنه و فضله إنا إلى ربنا راغبون .

    ردحذف