بسم الله الرحمن الرحيم :
من أجل كتب التراث الإسلامي وأعظمها شأنا ومكانة، حتى قيل ليت مؤلفه لم يؤلف غيره وتفرغ لإنهائه كاملا لما أورد فيه من الفوائد واللطائف والدرر والعجائب التي لم يزل ينهل من معينها المتقدمين والمتأخرىن والمعاصرين، لم يصنف قبله أو بعده ما يوازيه أو يضاهيه في موضوعه، ألفه الامام محي الدين النووي بركة المذهب الشافعي ومنقحه ومصححه، حيث شرح كتاب "المهذب في الفقه الشافعي" للشيخ أبي إسحاق الشيرازي الفقيه الأصولي المعروف.
قال السيوطي في "الحاوي" أنه ألفه على منوال "المغني" لابن قدامة الحنبلي ، ولقد قيل أنه لو اجتمع صاحب المغني وصاحب المجموع على مسألة فهو الحق الذي يغلب على الظن صوابه، والناظر في في هذا السفر الجليل يدرك أن الامام النووي قد فاق عمل ابن قدامة في "المغني" في أمور كثيرة أهمها علم الحديث، حيث كان النووي من أئمة المحدثين، فصان كتابه عن الأحاديث الموضوعة، وبين ضعف الأحاديث الضعيفة حتى لو كان يحتج بها الشافعية لتقرير رأيهم في مسألة ما، فترى التجرد والإخلاص العلمي قد تجلى في هذا الكتاب في أبهى صوره.
منهج الإمام النووي في شرحه :
شرح الامام النووي المتن أولا بتبيين اللغات، ثم شرح الأحاديث الواردة مع بيان درجتها من حيث الصحة والضعف، ثم أتبعه بذكر المسائل الفقهية، وذكر الراجح منها عند الشافعية من وجوه وأقوال، ثم ترجم للصحابة والعلماء المذكورين في كلام الشيرازي. وقد لخص ذلك في مقدمته بقوله :
"أذكر فيه ان شاء الله جملا من علومه الزاهرات وابين فيه أنواعا من فنونه المتعددات فمنها تفسير الآيات الكريمات والاحاديث النبويات والآثار الموقوفات والفتاوي المقطوعات والاشعار الاستشهاديات والاحكام الاعتقاديات والفروعيات والأسماء واللغات والقيود والاحترازات وغير ذلك من فنونه المعروفات وأبين من الاحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها مرفوعها وموقوفها متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها وموضوعها مشهورها وغريبها وشاذها ومنكرها ومقاربها ومعللها ومدرجها وغير ذلك من اقسامها مما ستراها ان شاء الله في مواطنها........ ومتى كان الحديث ضعيفا بينت ضعفه ونبهت على سبب ضعفه ان لم يطل الكلام بوصفه: وإذا كان الحديث الضعيف هو الذي احتج به المصنف أو هو الذي اعتمده أصحابنا صرحت بضعفه ثم أذكر دليلا للمذهب من الحديث إن وجدته والا فمن القياس وغيره....... وأما الاحكام فهو مقصود الكتاب فابالغ في ايضاحها بأسهل العبارات واضم إلى ما في الاصل من الفروع والتتمات والزوائد المستجادات والقواعد المحررات والضوابط الممهدات ما تقر به ان شاء الله أعين أولى البصائر والعنايات"
ثم يذكر الخلاف بين العلماء في كل مسألة وينتصر غالبا للمذهب الشافعي ،وأحيانا كثيرة يخالف المذهب تبعا للدليل، حيث أنه قد خالف الشافعية في مسائل عديدة انتصارا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مسألة الوضوء مما مست النار ومسألة عدم كراهة استخدام الماء المشمس وعدم نجاسة الخنزير نجاسة مغلظة كالكلب وعدم كراهة السواك للصائم بعد الزوال وغيرها كثير، حيث يصدر هذا الاختيار بقوله " والمختار" كذا كذا.
تكملات المجموع :
كان الامام النووي قد شعر بأنه لن يكمل هذا السفر الجليل فأوعز إلى تلميذه ابن العطار بإكماله إن وافته المنية قبل إتمامه، كما ذكر ذلك ابن العطار في ترجمة شيخه النووي، لكن لم يوفق ابن العطار لذلك وهو فضل الله يؤتيه لمن يشاء !
فأكمله من بعده الإمام تقي الدين السبكي – وهو من أساطين الشافعية الذي يقارب مرتبة النووي والرافعي في العلم، وله اجتهادات خارجة عن المذهب - من كتاب البيوع في مجلدين ثم أكمله المطيعي إلى نهاية المتن - لرؤية رآها - حيث أضاف بحوثا حديثة في مسائل التأمين والأسهم والجنايات
وهناك تكملات أخرى لمجموعة من العلماء اتهموا المطيعي بأنه لم يضف شيئا إلى الشرح سوى نقولات غير منسوبة إلى صاحبها مثل نقله من كتاب البيان للعمراني الفقرات الكثيرة دون الإشارة لذلك.
والقارئ للتكملة سيشعر بالبون الواسع الشاسع بين منهج النووي وبين منهج غيره ممن أكمل المجموع من بعده، فالنووي يمتاز بعذوبة الألفاظ وبساطتها - كما نبه إلى ذلك كثير من العلماء - وسعة الاطلاع كما قال السبكي في تكملته، حيث ذكر شروطا ثلاثة لمن يتأهب لتكملة هذا السفر الجليل :
"ولا شك أن ذلك يحتاج بعد الأهلية إلى ثلاثة أشياء :
(أحدها) فراغ البال واتساع الزمان وكان قد أوتى من ذلك الحظ الأوفى، بحيث لم يكن له شاغل عن ذلك من نفس ولا أهل
(والثاني) جمع الكتب التي يستعان بها على النظر والاطلاع على كلام العلماء وكان قد حصل له من ذلك حظ وافر لسهولة ذلك في بلده في ذلك الوقت
(والثالث) حسن النية وكثرة الورع والزهد والأعمال الصالحة التي أشرقت أنوارها وكان قد اكتال بالمكيال الأوفى "''''
وللسخاوي كلمة جميلة تلخص ترجمة النووي في كلمة واحدة حيث قال" النووي بركة "، ولا يخلو بيت مسلم أو مسلمة من أحد كتبه المباركة، فمن منا لم يسمع بكتاب رياض الصالحين أو كتاب الأذكار أو الأربعين النووية !
ولقد كان النووي قد وقف في شرحه على كتب لم يقف عليها اللاحقون، وليته ذكر كل مصادر شرحه كما فعل السبكي والمطيعي حتى يسهل على الباحث من بعده الرجوع إلى هذه المصادر.
و في الأخير أسأل الله تعالى أن يرحم الإمام النووي على خدمته الإسلام و المسلمين ، و أن يوفق طلاّب العلم للاستفادة من هذا الكتاب ، فقد و الله كان فتحا في التأليف ، و فتحا في الشرح ، و فتحا في الإستنباط ، و فتحا في الاستدلال ، و لا زلت أذكر بعض مشايخنا ممّن كان يشرح الكتاب ، يعجبه أن يتمثل بالقول المشهور على ألسنة المشايخ قديما ، و هو قولهم : [ اعطش و جوع و اشتر المجموع ] .
اللهم علمنا ما ينفعنا ، و انفعنا بما علمتنا ، إنك أنت السميع العليم .
من أجل كتب التراث الإسلامي وأعظمها شأنا ومكانة، حتى قيل ليت مؤلفه لم يؤلف غيره وتفرغ لإنهائه كاملا لما أورد فيه من الفوائد واللطائف والدرر والعجائب التي لم يزل ينهل من معينها المتقدمين والمتأخرىن والمعاصرين، لم يصنف قبله أو بعده ما يوازيه أو يضاهيه في موضوعه، ألفه الامام محي الدين النووي بركة المذهب الشافعي ومنقحه ومصححه، حيث شرح كتاب "المهذب في الفقه الشافعي" للشيخ أبي إسحاق الشيرازي الفقيه الأصولي المعروف.
قال السيوطي في "الحاوي" أنه ألفه على منوال "المغني" لابن قدامة الحنبلي ، ولقد قيل أنه لو اجتمع صاحب المغني وصاحب المجموع على مسألة فهو الحق الذي يغلب على الظن صوابه، والناظر في في هذا السفر الجليل يدرك أن الامام النووي قد فاق عمل ابن قدامة في "المغني" في أمور كثيرة أهمها علم الحديث، حيث كان النووي من أئمة المحدثين، فصان كتابه عن الأحاديث الموضوعة، وبين ضعف الأحاديث الضعيفة حتى لو كان يحتج بها الشافعية لتقرير رأيهم في مسألة ما، فترى التجرد والإخلاص العلمي قد تجلى في هذا الكتاب في أبهى صوره.
منهج الإمام النووي في شرحه :
شرح الامام النووي المتن أولا بتبيين اللغات، ثم شرح الأحاديث الواردة مع بيان درجتها من حيث الصحة والضعف، ثم أتبعه بذكر المسائل الفقهية، وذكر الراجح منها عند الشافعية من وجوه وأقوال، ثم ترجم للصحابة والعلماء المذكورين في كلام الشيرازي. وقد لخص ذلك في مقدمته بقوله :
"أذكر فيه ان شاء الله جملا من علومه الزاهرات وابين فيه أنواعا من فنونه المتعددات فمنها تفسير الآيات الكريمات والاحاديث النبويات والآثار الموقوفات والفتاوي المقطوعات والاشعار الاستشهاديات والاحكام الاعتقاديات والفروعيات والأسماء واللغات والقيود والاحترازات وغير ذلك من فنونه المعروفات وأبين من الاحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها مرفوعها وموقوفها متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها وموضوعها مشهورها وغريبها وشاذها ومنكرها ومقاربها ومعللها ومدرجها وغير ذلك من اقسامها مما ستراها ان شاء الله في مواطنها........ ومتى كان الحديث ضعيفا بينت ضعفه ونبهت على سبب ضعفه ان لم يطل الكلام بوصفه: وإذا كان الحديث الضعيف هو الذي احتج به المصنف أو هو الذي اعتمده أصحابنا صرحت بضعفه ثم أذكر دليلا للمذهب من الحديث إن وجدته والا فمن القياس وغيره....... وأما الاحكام فهو مقصود الكتاب فابالغ في ايضاحها بأسهل العبارات واضم إلى ما في الاصل من الفروع والتتمات والزوائد المستجادات والقواعد المحررات والضوابط الممهدات ما تقر به ان شاء الله أعين أولى البصائر والعنايات"
ثم يذكر الخلاف بين العلماء في كل مسألة وينتصر غالبا للمذهب الشافعي ،وأحيانا كثيرة يخالف المذهب تبعا للدليل، حيث أنه قد خالف الشافعية في مسائل عديدة انتصارا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مسألة الوضوء مما مست النار ومسألة عدم كراهة استخدام الماء المشمس وعدم نجاسة الخنزير نجاسة مغلظة كالكلب وعدم كراهة السواك للصائم بعد الزوال وغيرها كثير، حيث يصدر هذا الاختيار بقوله " والمختار" كذا كذا.
تكملات المجموع :
كان الامام النووي قد شعر بأنه لن يكمل هذا السفر الجليل فأوعز إلى تلميذه ابن العطار بإكماله إن وافته المنية قبل إتمامه، كما ذكر ذلك ابن العطار في ترجمة شيخه النووي، لكن لم يوفق ابن العطار لذلك وهو فضل الله يؤتيه لمن يشاء !
فأكمله من بعده الإمام تقي الدين السبكي – وهو من أساطين الشافعية الذي يقارب مرتبة النووي والرافعي في العلم، وله اجتهادات خارجة عن المذهب - من كتاب البيوع في مجلدين ثم أكمله المطيعي إلى نهاية المتن - لرؤية رآها - حيث أضاف بحوثا حديثة في مسائل التأمين والأسهم والجنايات
وهناك تكملات أخرى لمجموعة من العلماء اتهموا المطيعي بأنه لم يضف شيئا إلى الشرح سوى نقولات غير منسوبة إلى صاحبها مثل نقله من كتاب البيان للعمراني الفقرات الكثيرة دون الإشارة لذلك.
والقارئ للتكملة سيشعر بالبون الواسع الشاسع بين منهج النووي وبين منهج غيره ممن أكمل المجموع من بعده، فالنووي يمتاز بعذوبة الألفاظ وبساطتها - كما نبه إلى ذلك كثير من العلماء - وسعة الاطلاع كما قال السبكي في تكملته، حيث ذكر شروطا ثلاثة لمن يتأهب لتكملة هذا السفر الجليل :
"ولا شك أن ذلك يحتاج بعد الأهلية إلى ثلاثة أشياء :
(أحدها) فراغ البال واتساع الزمان وكان قد أوتى من ذلك الحظ الأوفى، بحيث لم يكن له شاغل عن ذلك من نفس ولا أهل
(والثاني) جمع الكتب التي يستعان بها على النظر والاطلاع على كلام العلماء وكان قد حصل له من ذلك حظ وافر لسهولة ذلك في بلده في ذلك الوقت
(والثالث) حسن النية وكثرة الورع والزهد والأعمال الصالحة التي أشرقت أنوارها وكان قد اكتال بالمكيال الأوفى "''''
وللسخاوي كلمة جميلة تلخص ترجمة النووي في كلمة واحدة حيث قال" النووي بركة "، ولا يخلو بيت مسلم أو مسلمة من أحد كتبه المباركة، فمن منا لم يسمع بكتاب رياض الصالحين أو كتاب الأذكار أو الأربعين النووية !
ولقد كان النووي قد وقف في شرحه على كتب لم يقف عليها اللاحقون، وليته ذكر كل مصادر شرحه كما فعل السبكي والمطيعي حتى يسهل على الباحث من بعده الرجوع إلى هذه المصادر.
و في الأخير أسأل الله تعالى أن يرحم الإمام النووي على خدمته الإسلام و المسلمين ، و أن يوفق طلاّب العلم للاستفادة من هذا الكتاب ، فقد و الله كان فتحا في التأليف ، و فتحا في الشرح ، و فتحا في الإستنباط ، و فتحا في الاستدلال ، و لا زلت أذكر بعض مشايخنا ممّن كان يشرح الكتاب ، يعجبه أن يتمثل بالقول المشهور على ألسنة المشايخ قديما ، و هو قولهم : [ اعطش و جوع و اشتر المجموع ] .
اللهم علمنا ما ينفعنا ، و انفعنا بما علمتنا ، إنك أنت السميع العليم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق