Translate

2014-12-04

الدرس التاسع و العشرون من سلسلة علوم القرآن الكريم .

                      بسم الله الرحمن الرحيم :


سلسلة دروس علوم القرآن .


الموضوع : القدر المعجز من القرآن:

أ- يذهب المعتزلة إلى أن الإعجاز يتعلق بجميع القرآن لا ببعضه، أو بكل سورة برأسها.

ب- ويذهب بعضهم إلى أن المُعْجز منه القليل والكثير دون تقييد بالسورة لقوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} .

جـ- ويذهب آخرون إلى أن الإعجاز يتعلق بسورة تامة ولو قصيرة، أو قدرها من الكلام كآية واحدة أو آيات.

ولقد وقع التحدي بالقرآن كله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} .

وبعشر سور: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} .

وبسورة واحدة: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} .
وبحديث مثله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} .
ونحن لا نرى الإعجاز في قدر معين؛ لأننا نجده في أصوات حروفه ووقع كلماته، كما نجده في الآية والسورة ، فالقرآن كلام الله وكفى.

وأيًّا كان وجه الإعجاز، أو القدر المعجز. فإن الباحث المنصف الذي يطلب الحق إذا نظر في القرآن من أي النواحي أحب: من ناحية أسلوبه، أو من ناحية علومه، أو من ناحية الأثر الذي أحدثه في العالم وغير به وجه التاريخ، أو من تلك النواحي مجتمعة ، وجد الإعجاز واضحًا جليًّا, ويجدر بنا أن نأتي بكلمة في هذه النواحي الثلاثة من الإعجاز القرآني: ناحية الإعجاز اللغوي، وناحية الإعجاز العلمي، وناحية الإعجاز التشريعي. 
الإعجاز اللغوي:
لقد مارس أهل العربية فنونها منذ نشأت لغتهم حتى شبت وترعرعت، وأصبحت في عنفوان شبابها عملاقًا معطاء، واستظهروا شعرها ونثرها، وحكمها وأمثالها، وطاوعهم البيان في أساليب ساحرة، حقيقة ومجازًا، إيجازًا وإطنابًا، حديثًا ومقالًا، وكلما ارتفعت اللغة وتسامت، وقفت على أعتاب لغة القرآن في إعجازه اللغوي كَسِيرة صاغرة، تنحني أمام أسلوبه إجلالًا وخشية، وما عهد تاريخ العربية حقبة من أحقاب التاريخ. ازدهرت فيها اللغة إلا وتطامن أعلامها وأساتذتها أمام البيان القرآني اعترافًا بسموه، وإدراكًا لأسراره، ولا عجب "فتلك سُنة الله في آياته التي يصنعها بيديه، لا يزيدك العلم بها والوقوف على أسرارها إلا إذعانًا لعظمتها، وثقة بالعجز عنها، ولا كذلك صناعات الخلق، فإن فضل العلم بها يمكنك منها ويفتح لك الطريق إلى الزيادة عليها، ومن هنا كان سحرة فرعون هم أول المؤمنين برب موسى وهارون"1.
والذين تملكهم الغرور، وأصابتهم لوثة الإعجاب بالنفس، وحاولوا التطاول على أسلوب القرآن، حاكوه بكلام فارغ، أشبه بالسخف والتفاهة والهذيان والعبث. وارتدوا على أعقابهم خاسرين، كالمتنبئين وأشباه المتنبئين، من الدجالين والمغرورين.
وقد شهد التاريخ فرسانًا للعربية خاضوا غمارها وأحرزوا قصب السبق فيها، فما استطاع أحد منهم أن تحدثه نفسه بمعارضة القرآن، إلا باء بالخزي والهوان، بل إن التاريخ سجل هذا العجز على اللغة، في أزهى عصورها، وأرقى أدوارها، حين نزل هذا القرآن، وقد بلغت العربية أشدها، وتوافرت لها عناصر الكمال والتهذيب في المجامع العربية وأسواقها، ووقف القرآن من أصحاب هذه اللغة موقف التحدي. في صور شتى، متنزلًا معهم إلى الأخف من عشر سور إلى سورة إلى حديث مثله، فما استطاع أحد أن يباريه أو يجاريه منهم، وهم أهل الأنفة والعزة والإباء. ولو وجدوا قدرة على محاكاة شيء منه، أو وجدوا ثغرة فيه. لما ركبوا المركب الصعب أمام هذا التحدي، بإشهار السيوف، بعد أن عجز البيان، وتحطمت الأقلام.
وتتابعت القرون لدى أهل العربية، وظل الإعجاز القرآني اللغوي راسخًا كالطود الشامخ، تذل أمامه الأعناق خاضعة، لا تفكر في أن تدانيه، فضلًا عن أن تساميه؛ لأنها أشد عجزًا وأقل طمعًا في هذا المطلب العزيز. وسيظل الأمر كذلك إلى يوم الدين.
ولا يستطيع أحد أن يدعي عدم الحاجة إلى معارضة القرآن، وإن كان ذلك ممكنًا، فإن التاريخ يشهد بأنه قد توافرت الدواعي الملحة لدى القوم لمعارضة القرآن، حيث وقفوا من الرسالة وصاحبها موقف الجحود والنكران، واستثار القرآن حميَّتهم، وسفَّه أحلامهم، وتحداهم تحديًا سافرًا يثير حفيظة الجبان الرعديد مع ما كانوا عليه من أنفة وعزة. فسلكوا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- مسالك شتى، ساوموه بالمال والمُلك ليكف عن دعوته، وقاطعوه ومن معه حتى يموتوا جوعًا. واتهموه بالسحر والجنون، وتآمروا على حبسه، أو قتله أو إخراجه. وقد دلهم على الطريق الوحيد لإسكاته وهو أن يجيئوه بكلام مثل الذي جاءهم به، "ألم يكن ذلك أقرب إليهم وأبقى عليهم لو كان أمره في يدهم؟ ولكنهم طرقوا الأبواب كلها إلا هذا الباب، وكان القتل والأسر والفقر والذل وكل أولئك أهون عليهم من ركوب هذا الطريق الوعر الذي دلهم عليه، فأي شيء يكون العجز إن لم يكن هذا هو العجز"؟
والقرآن الذي عجز العرب عن معارضته لم يخرج عن سُنن كلامهم. ألفاظًا وحروفًا، تركيبًا وأسلوبًا، ولكنه في اتساق حروفه، وطلاوة عبارته، وحلاوة أسلوبه، وجرس آياته، ومراعاة مقتضيات الحال في ألوان البيان، في الجمل الاسمية والفعلية، وفي النفي والإثبات، وفي الذكر والحذف، وفي التعريف والتنكير، وفي التقديم والتأخير، وفي الحقيقة والمجاز، وفي الإطناب والإيجاز. وفي العموم والخصوص، وفي الإطلاق والتقييد، وفي النص والفحوى، وهلم جرًّا، ولكن القرآن في هذا ونظائره بلغ الذروة التي تعجز أمامها القدرة اللغوية لدى البشر.
عن ابن عباس: "أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقرأ عليه القرآن، فكأنه رَقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال له: يا عم: إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًَا ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا لتتعرض لما قِبَلِه. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له وكاره، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليحطم ما تحته، قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} .

وحيثما قلَّب الإنسان نظره في القرآن وجد أسرارًا من الإعجاز اللغوي.
يجد ذلك في نظامه الصوتي البديع بجرس حروفه، حين يسمع حركاتها وسكناتها، ومدَّاتها وغُنَّائها، وفواصلها ومقاطعها، فلا تمل أذنه السماع، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.
ويجد ذلك في ألفاظه التي تفي بحق كل معنى في موضعه، لا ينبو منها لفظ يقال إنه زائد، ولا يعثر الباحث على موضع يقول إنه يحتاج إلى إثبات لفظ ناقص.
ويجد ذلك في ضروب الخطاب التي يتقارب فيها أصناف الناس في الفهم بما تطيقه عقولهم، فيراها كل واحد منهم مقدرة على مقياس عقله ووفق حاجته، من العامة والخاصة {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} .
ويجد ذلك في إقناع العقل وإمتاع العاطفة ، بما يفي بحاجة النفس البشرية تفكيرًا ووجدانًا في تكافؤ واتزان، فلا تطغى قوة التفكير على قوة الوجدان، ولا قوة الوجدان على قوة التفكير.
وهكذا حيثما قلَّب النظر قامت أمامه حجة القرآن في التحدي والإعجاز.

قال القاضي أبو بكر الباقلاني : "والذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه: منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد، وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم، تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالًا فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه البديع، وترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلًا في وزنه، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل يتصنع له، وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه، ومباين لهذه الطرق، فليس من باب السجع، وليس من قبيل الشعر، وتبين بخروجه عن أصناف كلامهم، وأساليب خطابهم أنه خارج عن العادة. وأنه مُعجز، وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن، وتميز حاصل في جميعه..

وليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع ، والمعاني اللطيفة ،  والفوائد الغزيرة ، والحِكَم الكثيرة ، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة على هذا الطول - وعلى هذا القدر، وإنما تُنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة، وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها الاختلال والاختلاف، والتكلف والتعسف، وقد جاء القرآن على كثرته وطوله متناسبًا في الفصاحة على ما وصفه الله عز من قائل: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ، { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} . فأخبر أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت وبان عليه الاختلال.

الإعجاز العلمي

وعجيب نظم القرآن وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها - من ذكر قصص ومواعظ، واحتجاج وحِكَم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسِيَر مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها، ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور، فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح, ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين، ومنهم من يقرب في وصف الإبل والخيل، أو سير الليل، أو وصف الحرب، أو وصف الروض، أو وصف الخمر، أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتداوله الكلام. ولذلك ضُرِبَ المثل بامرئ القيس إذا ركب. والنابغة إذا رهب، وبزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام..
وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النَّظْم، وبديع التأليف والوصف، لا تفارت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا.. فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر".
وإذا عجز المتناهون في الفصاحة، ومعرفة وجوه الخطاب، وطرق البلاغة، وفنون القول، وقامت الحجة عليهم، فقد لزمت الحجة من دونهم من العرب، ولزمت غيرهم من الأعاجم؛ لأن تحقق عجز من استكمل معرفة تصاريف الخطاب، ووجوه الكلام، وأساليب البيان؛ يقطع بعجز من دونه من باب أولى.

بحال من الأحوال، وقد تقدمت العلوم وكثرت مسائلها ولم يتعارض شيء ثابت منها مع آية من آيات القرآن، وهذا وحده إعجاز.
والقرآن الكريم يجعل التفكير السديد والنظر الصائب في الكون وما فيه أعظم وسيلة من وسائل الإيمان بالله.
إنه يحث المسلم على التفكير في مخلوقات الله في السماء والأرض: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .

ويحثه على التفكير في نفسه، وفي الأرض التي يعمرها، وفي الطبيعة التي تحيط به: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} .

{وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} .

{أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} .
ويثير فيه الحس العلمي للتفكير والفهم والتعقل: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} .
{وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} .
{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
ويرفع القرآن مكانة المسلم بفضيلة العلم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} .
ولا يسوِّي بين عالم وجاهل: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} .
ويأمر المسلم أن يسأل ربه نعمة العلم: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} .
ويجمع الله علوم الفلك والنبات وطبقات الأرض والحيوان ويجعل ذلك من بواعث خشيته: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} .
وهكذا فإن إعجاز القرآن العلمي في أنه يحث المسلمين على التفكير، ويفتح لهم أبواب المعرفة، ويدعوهم إلى ولوجها، والتقدم فيها، وقبول كل جديد راسخ من العلوم.
وفي القرآن مع هذا إشارات علمية سيقت مساق الهداية، فالتلقيح في النبات: ذاتي وخلطي، والذاتي: ما اشتملت زهرته على عضوي التذكير والتأنيث، والخلطي: هو ما كان عضو التذكير فيه منفصلًا عن عضو التأنيث كالنخيل، فيكون التلقيح بالنقل. ومن وسائل ذلك الرياح، وجاء في هذا قول الله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} .
"والأوكسجين" ضروري لتنفس الإنسان، ويقل في طبقات الجو العليا ، فكلما ارتفع الإنسان في أجواء السماء أحس بضيق الصدر وصعوبة التنفس، والله تعالى يقول: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} .
وقد ساد الاعتقاد بأن الذرة هي الجزء الذي لا يقبل التجزئة، وفي القرآن: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} ، ولا أصغر من الذرة سوى تحطيم الذرة.
وفي علم الأجنة جاء قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} .
وقوله: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} .
وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} .
وفي وحدة الكون وحاجة الحياة إلى عنصر الماء يقول تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} .
تلك الإشارات العلمية ونظائرها في القرآن جاءت في سياق الهداية الإلهية، وللعقل البشري أن يبحث فيها ويتدبر.
وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه، وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها.. كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه..
إن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة.. أما ما يصل إليه البحث الإنساني - أيًّا كانت الأدوات المتاحة له- فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة، وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها، فمن الخطأ المنهجي -بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته- أن نعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية، وهي كل ما يصل إليه العلم البشري.
هذا بالقياس إلى الحقائق العلمية، والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى "علمية".. فهي قابلة دائمًا للتغيير والتعديل والنقص والإضافة، بل قابلة لأن تنقلب رأسًا على عقب، بظهور أداة كشف جديدة، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة.
وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة -أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة كما أسلفنا- تحتوي أولًًا على خطأ منهجي أساسي، كما أنها تنطوي على معان ثلاثة، كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم.
الأولى: هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس، أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه، والعلم لا يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق؛ لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلها ليس من طبيعتها أن تُعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة.
والثانية: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته. وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق -بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية- مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي، حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله، بل يصادقه ويعرف بعض أسراره، ويستخدم بعض نواميسه من خلافته، نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة.
والثالثة: هي التأويل المستمر -مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجد فيها جديد".

الإعجاز التشريعي:

أودع الله في الإنسان كثيرًا من الغرائز التي تعتمل في النفس وتؤثر عليها في اتجاهات الحياة، ولئن كان العقل الرشيد يعصم صاحبه من الزلل فإن النزعات النفسية المنحرفة تطغى على سلطان العقل، ولا يستطيع العقل أن يكبح جماحها في كل حال. لهذا كان لا بد لاستقامة الإنسان من تربية خاصة لغرائزه، تهذبها وتنميها، وتقودها إلى الخير والفلاح.
والإنسان مدني بالطبع، فهو في حاجة إلى غيره، وغيره في حاجة إليه، وتعاون الإنسان مع أخيه الإنسان ضرورة اجتماعية يفرضها العمران البشري. وكثيرًا ما يظلم الإنسان أخاه بدافع الأثرة وحب السيطرة، فلو تُرِك أمر الناس دون ضابط يحدد علاقاتهم، وينظم أحوال معاشهم، ويصون حقوقهم، ويحفظ حرماتهم لصار أمرهم فوضى، ولذا كان لا بد لأي مجتمع بشري من نظام يحكم زمامه، ويحقق العدل بين أفراده.
وبين تربية الفرد وصلاح الجماعة وشائج قوية لا تنفصم عراها، فإن هذا يقوم على تلك، فصلاح الفرد من صلاح الجماعة، وصلاح الجماعة بصلاح الفرد..
وقد عرفت البشرية في عصور التاريخ ألوانًا مختلفة من المذاهب والنظريات والنظم والتشريعات التي تستهدف سعادة الفرد في مجتمع فاضل، ولكن واحدًا منها لم يبلغ من الروعة والإجلال مبلغ القرآن في إعجازه التشريعي.
إن القرآن يبدأ بتربية الفرد؛ لأنه لبنة المجتمع ويقيم تربيته على تحرير وجدانه، وتحمله التبعة.
يحرر القرآن وجدان المسلم بعقيدة التوحيد الذي تُخَلِّصه من سلطان الخرافة والوهم، وتفك أسره من عبودية الأهواء والشهوات، حتى يكون عبدًا خالصًا لله، يتجرد للإله الخالق المعبود، ويستعلي بنفسه عما سواه، فلا حاجة للمخلوق إلا لدى خالقه، الذي له الكمال المطلق، ومنه يمنح الخير للخلائق كلها.

وإذا صحت عقيدة المسلم كان عليه أن يأخذ بشرائع القرآن في الفرائض والعبادات، وكل عبادة مفروضة يراد بها صلاح الفرد ولكنها مع ذلك ذات علاقة بصلاح الجماعة.
فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والجماعة واجبة على الرأي الراجح إلا لعذر، وهي شرط في الجمعة والعيدين، والذي يُصلِّى منفردًا لا يغيب عن شعوره آصرة القربى بينه وبين الجماعة الإسلامية في أقطار الأرض، من شمال إلى جنوب، ومن مشرق إلى مغرب؛ لأنه يعلم أنه في تلك اللحظة يتجه وجهة واحدة مع كل مسلم على ظهر الأرض، يؤدي فريضة الصلاة، ويستقبل معه قِبلة واحدة، ويدعو بدعاء واحد، وإن تباعدت بينهم الديار.
وحسب المسلم في تربيته أن يقف بين يدي الله خمس مرات في اليوم الواحد تمتزج حياته بشرع الله، ويتمثل الوازع الأعلى نصب عينيه ما بين كل صلاة وصلاة: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} .

والزكاة تقتلع من النفس جذور الشح، وعبادة المال، والحرص على الدنيا، وهي مصلحة للجماعة، فتقيم دعائم التعاون بين المجدودين والمحرومين، وتشعر النفس بتكامل الجماعة شعورًا يخرجها من ضيق الأثرة والانفراد.
والحج سياحة تروِّض النفس على المشقة، وتفتح بصيرتها على أسرار الله في خلقه، وهو مؤتمر عالمي يجتمع فيه المسلمون على صعيد واحد، فيتعارفون ويتشاورون.
والصيام ضبط للنفس، وشحذ لعزيمتها، وتقوية للإرادة، وحبس للشهوات، وهو مظهر اجتماعي يعيش فيه المسلمون شهرًا كاملًا على نظام واحد في طعامهم. كما تعيش الأسرة في البيت الواحد.
وحض القرآن على الفضائل المثلى التي تروض النفس على الوازع الديني، كالصبر والصدق والعدل والإحسان والحلم والعفو والتواضع.
ومن تربية الفرد ينتقل الإسلام إلى بناء الأسرة؛ لأنها نواة المجتمع، فشرع القرآن الزواج استجابة لغريزة الجنس وإبقاء على النوع الإنساني في تناسل طاهر نظيف.
ويقوم رباط الأسرة في الزواج على الود والرحمة والسكن النفسي والعِشْرة بالمعروف، ومراعاة خصائص الرجل وخصائص المرأة، والوظيفة الملائمة لكل منهما: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} .
{عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} .
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} .
ثم يأتي نظام الحكم الذي يسود المجتمع المسلم، وقد قرَّر القرآن قواعد الحكومة الإسلامية في أصلح أوضاعها.

وهي حكومة تقوم على العدل المطلق الذي لا يتأثر بحب الذات، أو عاطفة القرابة، أو العوامل الاجتماعية في الغِنَى والفقر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} .

كما لا تؤثر في هذا العدل شهوة الانتقام من الأعداء المبغوضين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} .

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} .

والتشريع في الحكومة الإسلامية ليس متروكًا للناس، فقد قرره القرآن، والخروج عنه كفر وظلم وفسق: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} .

وقرر القرآن صيانة الكليات الخمسة الضرورية للحياة الإنسانية: النفس، والدين، والعِرض، والمال، والعقل, ورتب عليها العقوبات المنصوصة، التي تُعرف في الفقه الإسلامي بالجنايات والحدود: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} .
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} .
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ} .
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} .
وقرر القرآن العلاقات الدولية في الحرب والسلم بين المسلمين وجيرانهم أو معاهديهم، وهي أرفع معاملة عرفت في عصور الحضارة الإنسانية.
وخلاصة القول: إن القرآن دستور تشريعي كامل يقيم الحياة الإنسانية على أفضل صورة وأرقى مثال، وسيظل إعجازه التشريعي قرينًا لإعجازه العلمي وإعجازه اللغوي إلى الأبد. ولا يستطيع أحد أن ينكر أنه أحدث في العالَم أثرًا غيَّر وجه التاريخ.

و الله الموفق لا ربّ سواهُ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق