الحمد لله يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون، والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمة للعالمين –صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه- ومن دعا بدعوته واهتدى يهديه إلى يوم الدين.
وبعد... فإن كفارة الصوم في رمضان، والأسباب الموجبة لها، من المواضع الخلافية في الفقه الإسلامي، ولهذا أذكر بعش النقاط المهمة التي تهمّ المسلم في حياته و دينه .
الكفارة في اللغة :
مشتقة من (كفر) بمعنى غطى وستر ومحا وأحبط، لأنها تغطي الذنب وتستر الإثم وتمحو الخطيئة وتحيط العقاب والمؤاخذة.
قال علماء اللغة: كفر عليه يكفر: غطاه، والشيء ستره ككفره، والكافر: الليل والبحر والوادي العظيم والنهر الكبير، والسحاب المظلم والزارع والدرع، ومن الأرض ما بعد عن الناس كالكفر، والأرض المستوية والغائط الوطئ والنبت والظلمة.
ونلحظ مما سبق أن معنى الستر والتغطية وارد في كل ما ذكره علماء اللغة.
والكفارة: مشددة ما يستغفر به الإثم من صدقة وصوم ونحو ذلك وكفر عن يمينه: أعطى الكفارة.
وقال صديق خان: الكفارة من الكفر وهو الستر، لأنها تستر الذنب، ومنه الكفار لأنه يستر الحق، ويسمى الليل كافرا لأنه يستر الأشياء عن العيون، ومنه قيل للزارع كافر لأنه يغطي البذر، ويسمى السحاب الذي يستر الشمس كافرا، وتكفر الرجل بالسلاح إذا تستر به.
وقال الراغب: الكفارة ما يعطي الحانث في اليمين، واستعمل في كفارة القتل والظهار، وهي من التكفير وهو ستر الفعل وتغطيته فيصير بمنزلة من لم يعمل، قال ويصح أن يكون أصله إزالة الكفر نحو التمريض في إزالة المرض.
مما سبق يتبين أن للكفارة في اللغة معنيان:
الأول: تطلق على تغطية المعصية وسترها ومحو أثرها.
والثاني: تصدق على ما يؤديه المكفر مما أوجبه الله عليه من العتق، أو الصيام، أو الإطعام.
الكفارة في اصطلاح الفقهاء:
عرفها الكاساني فقال : هي في عرف الشارع اسم للواجب.
يريد ما أوجبه الله تعالى على من أتى شيئا منهيا عنه أو قصر مأمور به.
وقال بعض العلماء : هي العقوبة المقررة على المعصية بقصد التكفير عن إتيانها.
تعريف الكاساني يدل على أن الكفارات بعضها عبادات، وهذا هو الأصل، لأنها عبارة عن عتق أو صوم أو أطعام مساكين، فإن فرضت على عمل لا يعد معصية: فهي عبادة خالصة كالإطعام بدلا من الصوم لمن لا يطيق الصوم، وهو المغبر عنه في القرآن الكريم بقوله تعالى: (وعَلَى الَذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) البقرة 184.
وبعض الكفارات عقوبات إذا فرضت على ما يعتبر معصية، كالكفارة في القتل الخطأ. وعلى هذا فهي دائرة بين العبادة والعقوبة، وهذا ما جعل بعض العلماء يسميها عقوبة تعبدية .
فمن اعتبرها عقوبة استدل على ذلك بأن سبب وجوبها الجناية من ظهار أو قتل أو إفطار أو حنث.
ومن اعتبرها عبادة استدل لذلك: بأن الصوم جعل بدلا من التكفير بالمال (العتق) والصوم عبادة، وبذلك العبادة عبادة، وكذا يشترط فيها النية، وهي لا تشترط إلا في العبادات .
و قول من قول إنها عقوبة تعبدية قوي لأن القرآن الكريم جاء بالمعنيين، فجاءت الكفارة بمعنى العبادة في قوله جل شأنه (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) البقرة 196.
ووردت الكفارة بمعنى العقوبة في قوله تعالى: (ومَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) إلى قوله تعالى: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)النساء 92 .
المبحث الأول :
في حكم من جامع في نهار رمضان :
أجمعت الأمة على أن من جامع متعمدا في نهار رمضان، يفسد صومه، وقد دلت الأخبار الصحيحة على ذلك . وتتحدث عن أحكام الجامع في المطالب الآتية:
المطلب الأول :
هل يجب القضاء والكفارة على من تعمد الجماع في رمضان؟
من أفسد صوم رمضان بتعمد الجماع في الفرج عليه القضاء والكفارة عند الأحناف والمالكية . ومعنى هذا أن من أفسد صومه بالجماع عمدا عليه أن يقضي يوما ويكفر بأحد أنوع الكفارة الثلاث كما سيأتي تفصيل ذلك، فإن كفر بالصيام عليه أن يصوم أحدا وستين يوما، وإن كفر بالعتق فعليه أن يصوم معه يوما. وأن كفر بالإطعام عليه أن يصوم معه يوما.
وعند الحنابلة من أفسد صوما واجبا بجماع عليه القضاء سواء كان في رمضان أو غيره .
يتبع إن شاء الله تعالى .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق