من آفات عصرنا و هي كثيرة لا تعد و لا تحصى ، اتهام العلماء و الإزدراء بهم ، و حسدهم على ما آتاهم الله من فضله تعالى ، و ليس هذا وليد اليوم بل ابتلي به العلماء من قديم ، و نقتطف من كلام ابن حزم ، و أبي بكر بن العربي رحمهما الله تعالى ما يكون لنا عونا لفهم هاته الظاهرة المرضية الخطيرة .
[ ... ولا سيما أندلسنا فإنَّها خُصَّت من حسد أهلها للعالم الظاهر فيهم ، الماهر منهم ، و استقلالهم كثير ما يأتي به ، واستهجانهم حسناته وتتبُّعهم سقطاته وعثراته ـ وأكثر ذلك مدَّة حياته ـ بأضعاف ما في سائر البلاد ..إن أجاد قالوا : "سارق مغير منتحل مدَّع".
وإن توسَّط قالوا: "غث بارد وضعيف ساقط".
وإن باكر لحيازة قصب السبق قالوا: "متى كان هذا، ومتى تعلَّم، في أي زمان قرأ، ولأمِّه الهبل؟!.
* وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقين: إما شفوفا بائنا يعليه عن نظرائه أو سلوكا في غير السبيل التي عهدوها : فهنالك حمى الوطيس على البائس وصار غرضا للأقوال وهدفا للمطالب ونصبا للتسبب إليه ونهبا للألسنة وعرضة للتطرق إلى عرضه .. و ربما نحل ما لم يقل وطوِّق ما لم يتقلد و ألحق به ما لم يفُه به ولا اعتقده قلبه....فإن تعرَّض لتأليف غمز ولمز وتُعُرِّض وهمز واشتطَّ عليه وعظم يسير خطبه واستشنع هيِّن سقطه وذهبت محاسنه وسترت فضائله وهتف ونودي بما أغفل فتنكسر لذلك همَّته وتكلُّ نفسه وتبرد حميَّته....فإنه لا يفلت من هذه الحبائل ولا يتخلَّص من هذه النُّصب إلا النَّاهض الفائت والمطفِّف المستولي على الأمد.
ونفس الشيء ذكره عنهم أبو بكر بن العربي في * العواصم * فإنه قال: فإن ظهر عندهم من له معرفة ، أو جاءهم بفائدة في الدِّين ، و سرد عليهم البراهين: غمزوا جانبه ، و قبَّحوا عجائبه ، وعيبوا حقَّه استكبارا وعتوا، و سعوا في إخماد ذكره ، وتحقير قدره ، وافتعلوا عليه وردُّوا كلَّ عظيمة إليه.
و هذا والله ما لمسناه كثيرا جدا في طريقنا من بعض الجماعات الدعوية ، و إخوة الطريق الذين أبعدنا عنهم حبهم للدنيا ، و استثقالهم للطاعات ، و الاستهبال في التلفظ بكلمات في عرف العوام يحسن السكوت عنها ، فما بالك في حق المشايخ و الدعاة ، ولقد رأيت معظمهم دخل تحت مظلة الطاعة لمن كانوا يكفرون بهم و ما هذا إلا لدنيا مؤثرة و جماعة مقدمة ، و نالنا في هذه البلاد المقيمين فيها اليوم من حسد جاهل ، و تقول قريب الجسم منا بعيد القلب عنا ، و جفوة إخوة جمعتنا دروس العلم و موائد الفائدة العلمية ، و بعضهم يظن أنه عالم لم يبق له إلا أن يتقلد الجبة و القفطان ليخطب في الناس ، و يحسب أنه على شيء ، فإذا عرفناه قدره بعد طول صبر ، جفا و شط به المزار ، و نأت به الدار ، فرحماك ربي من أناس لا لدين الله تعلموا ، و لا لشرعه نصروا ، و هم فوق كل هذا من صنف من وصفوا في حديث أم زرع ، فكيف يفلح مسلموا هاته البلاد إذا كان من يرتجى منهم النفع و الخير ، فيهم هاته الأحقاد و الأضغان و النفوس المريضة ، ربي إني تعبت منهم فأبدلنا بهم من ترضى عنهم ، و اجعل لنا فرجا و مخرجا ، و رحم الله الإمام عليا و رضي عنه حينما قال مشيرا إلى صدره إن ها هنا علما ، لو كان له رجال ، و من يأخذه بحقه ، و حتى لا نطيل و الحديث ذو شجون ، أسأل الله أن يتوب علينا ، و أن يتولانا جميعا برحمته .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق