Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات صفحة دروس علوم القرآن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صفحة دروس علوم القرآن. إظهار كافة الرسائل

2014-04-06

الدرس الثامن من سلسلة علوم القرآن .

بسم الله الرحمن الرحيم :

الدرس الثامن من سلسلة دروس علوم القرآن .

إنّ الحمد لله نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله ، فلا مضلَّ له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله.

[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ] .
 [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ].
[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ].

أما بعد:

فإن خير الكلام كلام الله تعالى ، و خير الهديِ هديُ محمد - صلى الله عليه وسلم - ، و إن شرَّ الأمور محدثاتها ، و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة ن وقانا الله تعالى من البدع و الضلالات ، و أهلهما من شياطين الإنس و الجن . 
نكمل المشوار العلمي و الإيماني مع كتاب الله تعالى ، و في معرفة كل ما يتعلق بكلام ربنا العلي الأعلى ، و التعرض إلى نفحات الله تعالى ، بمدارسة علوم كتابه ، دستور المسلمين الخالد الذي أعرض عنه الناس جميعا إلا قلة قليلة [ من بينهم إخواننا في مسجد مدينة إيبيني ] ما زالت تحارب الكسل و الفتور و الخمول ، فتحاول أن تتعلم ما يقربها إلى ربها ، عسى أن تنجو بنفسها ، بعد أن أظلمت الأرض و جنباتها بالجهل المدوي الصارخ ، الذي يكاد ينادي أن المسلمين تركوا دينهم و جهلوا مصدره الأول ، فواغوثاه ... و اغوثاه ، و إلى الله المشتكى من قلوب تدعي الإيمان و هي غارقة في جهلها ، و الله المستعان لا رب سواه .

و الآن إلى درس جديد عنوانه : أسباب النزول .


مقدمة : 


نزل القرآن ليهدي الإنسانية إلى المحجة الواضحة ، و يرشدها إلى الطريق المستقيم ، و يقيم لها أسس الحياة الفاضلة التي تقوم دعامتها على الإيمان بالله و رسالاته ، و يقرر أحوال الماضي ، ووقائع الحاضر ، و أخبار المستقبل.

و أكثر القرآن نزل ابتداء لهذه الأهداف العامة ، و لكن الصحابة رضي الله عنهم في حياتهم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد شاهدوا أحداث السيرة ، و قد يقع بينهم حادث خاص يحتاج إلى بيان شريعة الله فيه ، أو يلتبس عليهم أمر فيسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنه لمعرفة حكم الإسلام فيه، فيتنزل القرآن لذلك الحادث ، أو لهذا السؤال الطارئ ، و مثل هذا يُعرف بأسباب النزول. 

  • عناية العلماء به:


وقد اعتنى الباحثون في علوم القرآن بمعرفة سبب النزول، و لمسوا شدة الحاجة إليه في تفسير القرآن فأفرده جماعة منهم بالتأليف ، و من أشهرهم على : "علي بن المديني" شيخ البخاري ، ثم "الواحدي"[  أبو الحسن علي بن أحمد النحوي المفسر، توفي سنة 427 هجرية] ، في كتابه " أسباب النزول"، ثم "الجعبري"[  برهان الدين إبراهيم بن عمر، كان له عناية بعلوم القرآن، فألَّف "روضة الطرائف في رسم المصاحف" و"كنز المعاني" وهو شرح للشاطبية في القراءات، توفي سنة 732 هجرية ] ، الذي اختصر كتاب "الواحدي" بحذف أسانيده و لم يزد عليه شيئًا ، ثم شيخ الإسلام "ابن حجر" [هو أبو الفضل شهاب الدين الحافظ ابن حجر العسقلاني و اسمه أحمد بن علي ، ينسب إلى عسقلان بفلسطين . مع أنه ولد بالقاهرة و مات بها ، كان له المعرفة التامة  بالحديث ، و اشتهر بعلومه ، وكتبه عمدة في هذا الفن، توفي سنة 852 هجرية ]، الذي ألَّف كتابًا في أسباب النزول اطلع السيوطي على جزء من مسودته و لم يتيسر له الوقوف عليه كاملًا ، ثم "السيوطي" [جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة 911 هجرية ] ، الذي قال عن نفسه : "و قد ألَّفت فيه كتابًا حافلًا موجزًا محررًا لم يُؤلَّف مثله في هذا النوع ، سميته " لُباب المنقول في أسباب النزول" .


ما يُعْتَمد عليه في معرفة سبب النزول:


والعلماء يعتمدون في معرفة سبب النزول على صحة الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو عن الصحابة ، فإن إخبار الصحابي عن مثل هذا إذا كان صريحًا لا يكون بالرأي ، بل يكون له حكم المرفوع ، قال الواحدي : " لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ، ووقفوا على الأسباب ، و بحثوا عن علمها وجدُّوا في الطلب" و هذا هو نهج علماء السَّلف ، فقد كانوا يتورعون عن أن يقولوا شيئًا في ذلك دون تثبت ، قال "محمد بن سيرين"[  تابعي من علماء البصرة ، اشتهر بعلوم الحديث ، و تعبير الرؤيا ، و توفي سنة 110 هجرية ]: سَألتُ "عَبِيدَة"[ هو عَبيدة بالفتح- بن عمرو السلماني ، أسلم قبل وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بسنتين ولم يلقه ، و كان ابن سيرين من أروى الناس عنه. ] عن آية من القرآن فقال: اتق الله و قل سدادًا ، ذَهبَ الذين يعلمُون فيما أنزلَ الله من القرآن ، و هو يعني الصحابة ، و إذا كان هذا هو قول "ابن سيرين" من أعلام علماء التابعين تحريًّا للرواية ، و دقة في النقل ، فإنه يدل على وجوب الوقوف عند أسباب النزول الصحيحة ، و لذا فإن المعتمد من ذلك فيما رُوِي من أقوال الصحابة ما كانت صيغته جارية مجرى المسند ، بحيث تكون هذه الصيغة جازمة بأنها سبب النزول.

وذهب "السيوطي" إلى أن قول التابعي إذا كان صريحًا في سبب النزول فإنه يُقْبَل ، و يكون مُرسلًا ، إذا صح المُسْنَد إليه وكان من أئمة التفسير الذين أخذوا عن الصحابة كمجاهد و عِكرمة و سعيد بن جبير ، و اعتضد بمرسل آخر.
و قد أخذ "الواحدي" على علماء عصره تساهلهم في رواية سبب النزول ، و رماهم بالإفك و الكذب ، و حذَّرهم من الوعيد الشديد ، حيث يقول: " أمَّا اليومُ فكل أحد يخترعُ شيئًا ، و يختلق إفكًا و كذبًا ، ملقيًا زمامه إلى الجهالة ، غير مفكّر في الوعيد للجاهل بسبب الآية ". 

تعريف السبب:

وسبب النزول بعد هذا التحقيق يكون قاصرًا على أمرين:

1- أن تحدث حادثة فيتنَزَّلُ القرآن الكريم بشأنها ، و ذلك كالذي رُوِي عن ابن عباس قال: [ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ] الشعراء .. خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى صعد الصفا ، فهتف: "يا صباحاه" ، فاجتمعوا إليه ، فقال : " أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟" قالوا: ما جربنا عليك كذبًا ، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" ، فقال أبو لهب [هو : عبد العزّى بن عبد المطلب بن هاشم. ] تبٍّا لك ، إنما جمعتنا لهذا؟ ثم قام ، فنزلت هذه السورة: [ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ]  أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. 
2- أن يُسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شيء فيتنَزَّلُ القرآن ببيان الحكم فيه ، كالذي كان من خولة بنت ثعلبة عندما ظاهر[ الظِّهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمي ، واختلفوا في غير هذه الصيغة ] منها زوجها أوس بن الصامت ، فذهبت تشتكي من ذلك ، عن عائشة قالت: "تبارك الذي وسع سمعه كل شيء ، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة و يخفى علي بعضه و هي تشتكي زوجها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- و هي تقول: يا رسول الله ، أكل شبابي ونثرتُ له بطني  حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني! اللهم إني أشكو إليك ، قالت: فما بَرِحَتْ حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: [ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ] و هو أوس بن الصامت [ أخرجه ابن ماجه وابن أبي حاتم ، و الحاكم وصححه ، و ابن مردويه، والبيهقي ].
ولا يعني هذا أن يلتمس الإنسان لكل آية سببًا، فإن القرآن لم يكن نزوله وقفًا على الحوادث والوقائع ، أو على السؤال والاستفسار ، بل كان القرآن يتنزل ابتداء ، بعقائد الإيمان  ، وواجبات الإسلام ، و شرائع الله تعالى في حياة الفرد و حياة الجماعة ، قال "الجعبري": "نزل القرآن على قسمين : قسم نزل ابتداء ،  و قسم نزل عقب واقعة أو سؤال".

ولذا يُعرَّف سبب النزول بما يأتي: "هو ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال".


ومن الإفراط في علم سبب النزول أن نتوسع فيه ، و نجعل منه ما هو من قبيل الإخبار عن الأحوال الماضية ، و الوقائع الغابرة ، قال السيوطي: "و الذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه ، ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة ، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء ، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية ، كذكر قصة قوم نوح و عاد و ثمود و بناء البيت ونحو ذلك ، و كذلك ذكره في قوله: [ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا]  سبب اتخاذه خليلًا ، فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى". 


فوائد معرفة سبب النزول:


لمعرفة سبب النزول فوائد أهمها:


1- بيان الحكمة التي دعت إلى تشريع حكم من الأحكام وإدراك مراعاة الشرع للمصالح العامة في علاج الحوادث رحمة بالأمة.

2 - تخصيص حكم ما نزل إن كان بصيغة العموم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللَّفظ ، و هي مسألة خلافية سيأتي لها مزيد من الإيضاح ، و قد يُمثَّل لهذا بقوله تعالى: [ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ] ، فقد رُوِيَ أن مروان قال لبوَّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أُوتي وأحب أن يُحمد بما لم يفعل يُعذب لنعذبن أجمعون ، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية ، إنما نزلت في أهل الكتاب . ثم تلا قوله تعالى: [ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ] ، الآية. قال ابن عباس: سألهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شيء فكتموه إياه وأخذوا بغيره ، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه و استحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمان ما سألهم عنه".
3 - إذا كان لفظ ما نزل عامًّا وورد دليل على تخصيصه فمعرفة السبب تُقصر التخصيص على ما عدا صورته ، و لا يصح إخراجها ، لأن دخول صورة السبب في اللفظ العام قطعي ، فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد لأنه ظني ، و هذا هو ما عليه الجمهور و قد يُمثَّل لهذا بقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ, يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ, يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} ، فإن هذه الآية نزلت في عائشة خاصة، أو فيها وفي سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- "عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} ... الآية: نزلت في عائشة خاصة" ، و عن ابن عباس في هذه الآية أيضًا: "هذه في عائشة وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يجعل الله لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- التوبة, ثم قرأ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ, إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. وعلى هذا فإن قبول توبة القاذف و إن كان مخُصَصًّا لعموم قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ} ، لا يتناول بالتخصيص مَن قذف عائشة ، أو قذف سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن هذا لا توبة له ، لأن دخول صورة السبب في اللفظ العام قطعي.
4- و معرفة سبب النزول خير سبيل لفهم معاني القرآن  ، وكشف الغموض الذي يكتنف بعض الآيات في تفسيرها ما لم يُعرف سبب نزولها، قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها" و قال ابن دقيق العيد: "بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن" و قال ابن تيمية: "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب" ، و من أمثلة ذلك: ما أشكل على مروان بن الحكم في فهم الآية الآنفة الذكر: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، حتى أورد له ابن عباس سبب النزول. 
ومثله آية: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} ،  فإن ظاهر لفظ الآية لا يقتضي أن السعي فرض، لأن رفع الجُناح يفيد الإباحة لا الوجوب ، و ذهب بعضهم إلى هذا تمسكًا بالظاهر [حكى الزمخشري في الكشاف عن أبي حنيفة أنه يقول: إن السعي واجب وليس بركن و على تاركه دم – و قد ذهب إلى عدم الوجوب ابن عباس وابن الزبير و أنس بن مالك وابن سيرين.] و قد ردت عائشة على عروة بن الزبير في فهمه ذلك بما ورد في سبب نزولها ، و هو أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما لأنه من عمل الجاهلية ، حيث كان على الصفا أساف ، وعلى المروة نائلة ، و هما صنمان ، و كان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما: " عن عائشة أن عروة قال لها: أرأيت قول الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فما أرى على أحد جُناحًا أن لا يطوف بهما ؟ فقالت عائشة : بئس ما قلت يابن أختي ، إنها لو كانت على ما أوَّلتها كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، و لكنها إنما أنزلت ، أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يُهلُّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها ، وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا و المروة في الجاهلية، فأنزل الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ... الآية. قالت عائشة: ثم قد بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما".
5 - ويوضح سبب النزول مَن نزلت فيه الآية حتى لا تُحمل على غيره بدافع الخصومة والتحامل، كالذي ذُكِرَ في قوله تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}، فقد أراد "معاوية" أن يستخلف "يزيد" وكتب إلى "مروان" عامله على المدينة بذلك، فجمع الناس وخطبهم ودعاهم إلى بيعة "يزيد" فأبى عبد الرحمن بن أبي بكر أن يبايع، فأراده "مروان" بسوء لولا أن دخل بيت عائشة، وقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي} فردت عليه عائشة وبيَّنت له سبب نزولها، "عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا أنزل فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} فقالت عائشة: "ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري" ، وفي بعض الروايات: "إن مروان لما طلب البيعة ليزيد قال: سُنَّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سُنَّة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي قال الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} ... الآية، فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه لسميته" .

قواعد تضبط ما سبق : 


العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:


إذا اتفق ما نزل مع السبب في العموم ، أو اتفق معه في الخصوص ، حُمل العام على عمومه ، و الخاص على خصوصه.

و مثال الأول قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} ، عن أنس قال: "إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن  ذلك، فأنزل الله: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} .. الآية، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : "جامعوهن في البيوت ، واصنعوا كل شيء إلا النكاح" رواه مسلم .
و المثال الثاني قوله تعالى : { وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ، وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ، إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ، وَلَسَوْفَ يَرْضَى} ، فإنها نزلت في أبي بكر ، و الأتقى: أفعل تفضيل مقرون: بـ "أل" العهدية فيختص بمن نزل فيه ، و إنما تفيد "أل" العموم إذا كانت موصولة أو معرفة في جمع على الراجح ، و"أل" في "الأتقى" ليست موصولة لأنها لا توصل بأفعل التفضيل ، و "الأتقى" ليس جمعًا ، بل هو مفرد ، و العهد موجود لا سيما و أن صيغة أفعل تدل على التمييز ، و ذلك كاف في قصر الآية على مَن نزلت فيه ، و لذا قال الواحدي: الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين: "عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يُعذَّب في الله: بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وأم عيسى، وأمة بني الموئل، وفيه نزلت {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} ... إلى آخر السورة ،  و رُوِي نحوه عن عامر بن عبد الله بن الزبير وزاد فيه: "فنزلت هذه الآية: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى}... إلى قوله: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى}.
أما إذا كان السبب خاصًّا ونزلت الآية بصيغة العموم فقد اختلف الأصوليون: أتكون العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟

1- فذهب الجمهور إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ،  فالحكم الذي يؤخذ من اللفظ العام يتعدى صورة السبب الخاص إلى نظائرها ، كآيات اللِّعان التي نزلت في قذف هلال بن أمية زوجته: "فعن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي -صلى الله عليه وسلم- بشريك بن سحماء. فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم: "البيِّنَةُ وإلا حدٌّ في ظهرك" فقال: يا رسول الله.. إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيِّنَة؟ فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "البيِّنَة وإلا حدٌّ في ظهرك" ، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ، و ليُنزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، ونزل جبريل فأنزل عليه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} ، حتى بلغ : {إنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} أخرجه البخاري ،  .. فيتناول الحكم المأخوذ من هذا اللفظ العام : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} غير حادثة هلال دون احتياج إلى دليل آخر.

وهذا هو الرأي الراجح والأصح ، و هو الذي يتفق مع عموم أحكام الشريعة ، والذي سار عليه الصحابة والمجتهدون من هذه الأمة فعدوا بحكم الآيات إلى غير صورة سببها. كنزول آية الظهار في أوس بن الصامت ،  أو سلمة بن صخر - على اختلاف الروايات في ذلك ، والاحتجاج بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة شائع لدى أهل العلم، قال ابن تيمية: "قد يجيء هذا كثيرًا ومن هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وأن قوله: {وَأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ} ،  نزلت في بني قريظة والنضير، ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه فلم يقل أحد إن عمومات الكتاب والسٌّنَّة تختص بالشخص المعيَّن، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ ، و الآية التي لها سبب معين إن كانت
أمرًا أو نهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كان خبرًا يمدح أو يذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته".
2- وذهب جماعة إلى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، فاللفظ العام دليل على صورة السبب الخاص، ولا بد من دليل آخر لغيره من الصور كالقياس ونحوه، حتى يبقى لنقل رواية السبب الخاص فائدة، ويتطابق السبب والمسبب تطابق السؤال والجواب. 

صيغة سبب النزول:


صيغة سبب النزول إما أن تكون نصًّا صريحًا في السببية، وإما أن تكون محتملة.

فتكون نصًّا صريحًا في السببية إذا قال الراوي: "سبب نزول هذه الآية كذا"، أو إذا أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال، كما إذا قال: "حدث كذا" أو "سُئِلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كذا فنزلت الآية" - فهاتان صيغتان صريحتان في السببية سيأتي لهما أمثلة .
وتكون الصيغة محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام إذا قال الراوي: "نزلت هذه الآية في كذا" فذلك يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أنه داخل في معنى الآية.
وكذلك إذا قال: "أحسب هذه الآية نزلت في كذا" أو "ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في كذا" فإن الراوي بهذه الصيغة لا يقطع بالسبب - فهاتان صيغتان تحتملان السببية وغيرها كذلك. ومثال الصيغة الأولى ما رُوِي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال : "أُنزلت {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ}... الآية. في إتيان النساء في أدبارهن"البخاري.
ومثال الصيغة الثانية ما رُوِيَ عن عبد الله بن الزبير "أن الزبير خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شراج من الحرة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل ، فقال الأنصاري ، سرِّح الماء يمر، فأبى عليه، فقال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "اسق يا زبير، ثم أَرْسِل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجُدر، ثم أَرْسِل الماء إلى جارك" . واستوعى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للزبير حقه، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري استرعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} متفق عليه ، قال ابن تيمية: "قولهم: نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: "نزلت هذه الآية في كذا"، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟ فالبخاري يُدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت عقبه فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند"[ المراد بالإسناد هنا أن يكون مسندًا إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بمعنى أن يكون مرفوعًا. وإن كان من قول الصحابي، لأنه لا مجال للاجتهاد فيه.]، و قال الزركشي في البرهان: "قد عُرِفَ من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: "نزلت هذه الآية في كذا" فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية ، لا من جنس النقل لما وقع".

 تعدد الروايات في سبب النزول:


قد تتعدد الروايات في سبب نزول آية واحدة ، وفي مثل هذه الحالة يكون موقف المفسر منها على النحو الآتي:

أ- إذا لم تكن الصيغ الواردة صريحة مثل: "نزلت هذه الآية في كذا" أو "أحسبها نزلت في كذا" فلا منافاة بينها ، إذ المراد التفسير، وبيان أن ذلك داخل في الآية ومستفاد منها، وليس المراد ذكر سبب النزول، إلا إن قامت قرينة على واحدة بأن المراد بها السببية.
ب- إذا كانت إحدى الصيغ غير صريحة كقوله: "نزلت في كذا" وصرح آخر بذكر سبب مخالف فالمُعتمد ما هو نص في السببية، وتُحمل الأخرى على دخولها في أحكام الآية ، ومثال ذلك ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} : "عن نافع قال: قرأت ذات يوم: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} فقال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا ، قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن"، فهذه الصيغة من ابن عمر غير صريحة في السببية، وقد جاء التصريح بذكر سبب يخالفه "عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قُبلِها جاء الولد أحول، فنزلت: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ، " فجابر هو المُعتمد لأن كلامه نقل صريح، وهو نص في السبب، أما كلام ابن عمر فليس بنص فيُحمل على أنه استنباط وتفسير.
جـ- وإذا تعددت الروايات وكانت جميعها نصًّا في السببية وكان إسناد أحدها صحيحًا دون غيره فالمُتعمد الرواية الصحيحة، مثل: ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب البجلي قال: "اشتكى النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم يقربك ليلتين أو ثلاثة، فأنزل الله: {وَالضُّحَى, وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى, مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} ، " وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها -وكانت خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أن جروًا دخل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فدخل تحت السرير، فمات ، فمكث النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة، ما حدث في بيت رسول الله, صلى الله عليه وسلم؟ جبريل لا يأتيني! فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة فقال: يا خولة دثريني فأنزل الله: {وَالضُّحَى} ... إلى قوله: {فَتَرْضَى} قال ابن حجر في شرح البخاري: "قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفي إسناده من لا يُعرف ، فالمعتمد ما في الصحيحين" .
د- فإذا تساوت الروايات في الصحة ووُجِدَ وجه من وجوه الترجيح كحضور القصة مثلًا أو كون إحداها أصح قُدِّمت الرواية الراجحة، ومثال ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: "كنت أمشي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، فقالوا: حدِّثنا عن الروح، فقام ساعة ورفع رأسه، فعرفتُ أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}.. و قد أخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: "قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ... الآية، فهذه الرواية تقتضي أنها نزلت بمكة حيث كانت قريش. والرواية الأولى تقتضي أنها نزلت بالمدينة، وتُرجَّح الرواية الأولى لحضور ابن مسعود القصة، ثم لما عليه الأمة من تلقِّي صحيح البخاري بالقبول وترجيحه على ما صح في غيره.
وقد اعتبر "الزركشي" هذا المثال من باب تعدد النزول وتكرره ، فتكون هذه الآية قد نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة، واستند في ذلك إلى أن سورة "سبحان" مكية بالاتفاق.
وإني أرى أن كون السورة مكية لا ينفي أن تكون آية منها أو أكثر مدنية، وما أخرجه البخاري عن ابن مسعود يدل على أن هذه الآية: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} مدنية، فالوجه الذي اخترناه من ترجيح رواية ابن مسعود على رواية الترمذي عن ابن عباس أولى من حمل الآية على تعدد النزول وتكرره. ولو صح أن الآية مكية وقد نزلت جوابًا عن سؤال فإن تكرار السؤال نفسه بالمدينة لا يقتضي نزول الوحي بالجواب نفسه مرة أخرى, بل يقتضي أن يجيب الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالجواب الذي نزل عليه من قبل.
هـ- إذا تساوت الروايات في الترجيح جُمِعَ بينها إن أمكن، فتكون الآية قد نزلت بعد السببين أو الأسباب لتقارب الزمن بينها، كآيات اللِّعان: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهمْ} ، فقد أخرج البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس أنها نزلت في هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي -صلى الله عليه وسلم- بشريك بن سحماء، كما ذكرنا من قبل .
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال: "جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فيُقتل به أم كيف يصنع؟..." فجمع بينهما بوقوع حادثة هلال أولًا، وصادف مجيء عويمر كذلك، فنزلت في شأنهما معًا بعد حادثتيهما. قال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب.
و- إن لم يمكن الجمع لتباعد الزمن فإنه يُحْمَل على تعدد النزول و تكرره ، و مثاله : ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال : "لما حضر أبا طالب الوفاة دخل  عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: " أي عم، قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي, صلى الله عليه وسلم: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنه" ، فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ}.
وأخرج الترمذي عن عليٍّ قال: "سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرتُ ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنزلت".
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: "خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلًا ثم بكى، فقال: "إن القبر الذي جلستُ عنده قبر أمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل عليَّ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} . فجمع بين هذه الروايات بتعدد النزول.
ومن أمثلته كذلك ما رُوِيَ عن أبي هريرة: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف على حمزة حين استُشِهد وقد مُثِّلَ به، فقال: "لأُمَثِّلَنَّ بسبعين منهم مكانك" ، فنزل جبريل والنبي -صلى الله عليه وسلم- واقف بخواتيم سورة النحل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}... إلى آخر السورة"، فهذا يدل على نزولها يوم أُحد. 

يتبع إن شاء الله تعالى .

الدرس السادس : من سلسلة علوم القرآن .



بسم الله الرحمن الرحيم :

الدرس السادس  من سلسلة علوم القرآن :

استكمالا لما بدأناه من درس معرفة المكي و المدني ، فهذا تكملة ما تبقى من الدرس ، و أسأل الله تعالى أن يعيننا على ما يرضيه تعالى .

فوائد العلم بالمكي و المدني:

و للعلم بالمكي و المدني فوائد أهمها:

أ- الاستعانة به في تفسير القرآن:

فإن معرفة مواقع النزول تساعد على فهم الآية وتفسيرها تفسيرًا صحيحًا، وإن كانت العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب. ويستطيع المفسر في ضوء ذلك عند تعارض المعنى في آيتين أن يُميز بين الناسخ والمنسوخ، فإن المتأخر يكون ناسخًا للمتقدم.

ب- تذوق أساليب القرآن والاستفادة منها في أسلوب الدعوة إلى الله ،  فإن لكل مقام مقالًا، ومراعاة مقتضى الحال من أخص معاني البلاغة، وخصائص أسلوب المكي في القرآن والمدني منه تعطي الدارس منهجًا لطرائق الخطاب في الدعوة إلى الله بما يلائم نفسية المخاطب، ويمتلك عليه لُبّه ومشاعره، ويعالج فيه دخيلته بالحكمة البالغة، ولكل مرحلة من مراحل الدعوة موضوعاتها وأساليب الخطاب فيها، كما يختلف الخطاب باختلاف أنماط الناس ومعتقداتهم وأحوال بيئاتهم، ويبدو هذا واضحًا جليًّا بأساليب القرآن المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين والمنافقين وأهل الكتاب.
جـ- الوقوف على السيرة النبوية من خلال الآيات القرآنية..
فإن تتابع الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ساير تاريخ الدعوة بأحداثها في العهد المكي والعهد المدني منذ بدأ الوحي حتى آخر آية نزلت، والقرآن الكريم هو المرجع الأصيل لهذه السيرة الذي لا يدع مجالًا للشك فيما رُوِيَ عن أهل السير موافقًا له، ويقطع دابر الخلاف عند اختلاف الروايات. 

معرفة المكي والمدني وبيان الفرق بينهما:

اعتمد العلماء في معرفة المكي والمدني على منهجين أساسيين: 

المنهج السماعي النقلي، و المنهج القياسي الاجتهادي.
و المنهج السماعي النقلي يستند إلى الرواية الصحيحة عن الصحابة الذين عاصروا الوحي، وشاهدوا نزوله، أو عن التابعين الذين تلقوا عن الصحابة وسمعوا منهم كيفية النزول ومواقعه وأحداثه، ومعظم ما ورد في المكي والمدني من هذا القبيل، وفي الأمثلة السابقة خير دليل على ذلك، وقد حفلت بها كتب التفسير بالمأثور، ومؤلفات أسباب النزول، ومباحث علوم القرآن، ولم يرد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيء في ذلك ، حيث إنه ليس من الواجبات التي تجب على الأمة إلا بالقدر الذي يُعرف به الناسخ و المنسوخ ، قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في "الانتصار": " إنما يُرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين ، و لم يرد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك قول لأنه لم يؤمر به ، و لم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم ومعرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يُعرف ذلك بغير نص الرسول" .
و المنهج القياسي الاجتهادي يستند إلى خصائص المكي وخصائص المدني، فإذا ورد في السورة المكية آية تحمل طابع التنزيل المدني أو تتضمن شيئًا من حوادثه قالوا إنها مدنية، وإذا ورد في السورة المدنية آية تحمل طابع التنزيل المكي أو تتضمن شيئًا من حوادثه قالوا إنها مكية، وإذا وُجِدَ في السورة خصائص المكي قالوا إنها مكية، وإذا وُجِدَ فيها خصائص المدني قالوا إنها مدنية، وهذا قياس اجتهادي، ولذا قالوا مثلًا: كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية، وكل سورة فيها فريضة أو حد مدنية، وهكذا، قال الجعبري: "لمعرفة المكي والمدني طريقان: سماعي وقياسي"، ولا شك أن السماعي يعتمد على النقل، والقياسي يعتمد على العقل ، والنقل والعقل هما طريقا المعرفة السليمة والتحقيق العلمي. 

الفرق بين المكي والمدني:

للعلماء في الفرق بين المكي والمدني ثلاثة آراء اصطلاحية ، كل رأي منها بُنِيَ على اعتبار خاص.
الأول: اعتبار زمن النزول ، فالمكي: ما نزل قبل الهجرة و إن كان بغير مكة، والمدني: ما نزل بعد الهجرة وإن كان بغير المدينة ، فما نزل بعد الهجرة ولو بمكة، أو عرفة: مدني، كالذي نزل عام الفتح، كقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الأمَانَات إلَى أهْلِهَا} ، فإنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم، أو نزل بحجة الوداع كقوله تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا} ، و هذا الرأي أولى من الرأيين بعده لحصره و اطّراده.
الثاني: اعتبار مكان النزول، فالمكي: ما نزل بمكة وما جاورها كمِنى وعرفات والحديبية. والمدني: ما نزل بالمدينة وما جاورها كأُحد وقُباء وسلع.
ويترتب على هذا الرأي عدم ثنائية القسمة و حصرها، فما نزل بالأسفار أو بتبوك أو ببيت المقدس لا يدخل تحت القسمة ، فلا يسمى مكيًّا ولا مدنيًّا ، كما يترتب عليه كذلك أن ما نزل بمكة بعد الهجرة يكون مكيًّا.
الثالث: اعتبار المخاطَب ، فالمكي: ما كان خطابًا لأهل مكة، والمدني: ما كان خطابًا لأهل المدينة.
و ينبني على هذا الرأي عند أصحابه أن ما في القرآن من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} مكي، وما فيه من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُواُ} مدني.
و بالملاحظة يتبين أن أكثر سور القرآن لم تُفْتَتَحْ بأحد الخطابين، وأن هذا الضابط لا يطرد، فسورة البقرة مدنية، و فيها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، و قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ، و سورة النساء مدنية وأولها: {يَا أيُّهَا النَّاسُ} وسورة الحج مكية ، و فيها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، والقرآن الكريم هو خطاب الله للخلق أجمعين، ويجوز أن يخاطب المؤمنون بصفتهم وباسمهم وجنسهم، كما يجوز أن يؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار والازدياد منها.

مميزات المكي والمدني:

استقرأ العلماء السور المكية والسور المدنية، واستنبطوا ضوابط قياسية لكل من المكي والمدني، تبين خصائص الأسلوب والموضوعات التي يتناولها. وخرجوا من ذلك بقواعد ومميزات.
ضوابط المكي ومميزاته الموضوعية:
1- كل سورة فيها سجدة فهي مكية.
2- كل سورة فيها لفظ "كلا" فهي مكية، ولم ترد إلا في النصف الأخير من القرآن. وذُكرت ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة.
3- كل سورة فيها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وليس فيها: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواُ} فهي مكية، إلا سورة الحج ففي أواخراها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}  ، و مع هذا فإن كثيرًا من العلماء يرى أن هذه الآية مكية كذلك.
4- كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الغابرة فهي مكية سوى البقرة.
5- كل سورة فيها آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة كذلك.

ضوابط المدني ومميزاته الموضوعية:

1- كل سورة فيها فريضة أو حد فهي مدنية.
2- كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية سوى العنكبوت فإنها مكية.
3- كل سورة فيها مجادلة أهل الكتاب فهي مدنية.
هذا من ناحية الضوابط، أما من ناحية المميزات الموضوعية وخصائص الأسلوب فيمكن إجمالها فيما يأتي:

1- بيان العبادات ، والمعاملات، و الحدود ، و نظام الأسرة ، والمواريث، وفضيلة الجهاد، والصلات الاجتماعية، والعلاقات الدولية في السلم والحرب، وقواعد الحكم، ومسائل التشريع.
2- مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ودعوتهم إلى الإسلام، وبيان تحريفهم لكتب الله، وتجنيهم على الحق، واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم.
3- الكشف عن سلوك المنافقين، وتحليل نفسيتهم، وإزاحة الستار عن خباياهم، وبيان خطرهم على الدين.
4- طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة ويوضح أهدافها ومراميها.

بفضل الله انتهت و بحمده تعالى  ختمت ، فله الحمدُ و الفضلُ و الثناءُ الحسنُ على نعمهِ المتتالية ، و بركاته العالية ، والصلاة و السلام على خير من وطأت قدمه الأرض ، اللهم بحبي لك و لرسولك اغفر لي و تجاوز عنّي و اعف عن والدي و ارحمه رحمة واسعة جزاءً لما ربّاني و علّمني ، و سامح جدّي في أهل الجّنة ، لِماَ كان له من فضل عليّ يوم أدخلني في سلك قرأة كتابك ، و تب على إخواني طلبة العلم الذين يحضرون دروس العلم ، و افتح عليهم بمعرفة العلم و أنر قلوبهم بنور الفهم ، و زك جوارحهم بجلائل الأعمال التي تنير القلب و ترفع الهمة ، و تقبل منّا جميعا إنك أنت السميع العليم .



2014-04-05

الدرس الرابع : من سلسلة علوم القرآن .



بسم الله الرحمن الرحيم :

الدرس الرابع :  من سلسلة علوم القرآن :

 شُبَهُ الجاحدين على الوحي:

وقد حرص الجاهليون قديمًا وحديثًا على إثارة الشُّبَهِ في الوحي عتوًّا واستكبارًا ، و هي شُبَهٌ واهية مردودة.

1- زعموا أن القرآن الكريم من عند محمد صلى الله عليه وسلم ابتكر معانيه ، و صاغ أسلوبه ، و ليس وحيًا يُوحَى.

و هذا زعم باطل ، فإنه عليه الصلاة و السلام إذا كان يدَّعي لنفسه الزعامة و يتحدى الناس بالمعجزات لتأييد زعامته فلا مصلحة له في أن ينسب ما يتحدى به الناس إلى غيره ، و كان في استطاعته أن ينسب القرآن لنفسه ، و يكون ذلك كافيًا لرفعة شأنه ، و التسليم بزعامته ، ما دام العرب جميعًا على فصاحتهم قد عجزوا عن معارضته ، بل ربما كان هذا أدعى للتسليم المطلق بزعامته لأنه واحد منهم أتى بمالم يستطيعوه.

و لا يقال إنه أراد بنسبة القرآن إلى الوحي الإلهي أن يجعل لكلامه حرمة تفوق كلامه حتى يستعين بهذا على استجابة الناس لطاعته و إنفاذ أوامره ، فإنه صدر عنه كلام نسبه لنفسه فيما يسمى بالحديث النبوي ولم ينقص ذلك من لزوم طاعته شيئًا ، و لو كان الأمر كما يتوهمون لجعل كل أقواله من كلام الله تعالى.


وهذا الادعاء يفترض في رسول الله أنه كان من أولئك الزعماء الذين يعبرون الطريق في الوصول إلى غايتهم على قنطرة من الكذب والتمويه ، و هو افتراض يأباه الواقع التاريخي في سيرته عليه الصلاة و السلام ، و ما اشتهر به من صدق و أمانة شهد له بهما أعداؤه قبل أصدقائه.


 لقد اتهم المنافقون زوجه عائشة بحديث الإفك ، و هي أحب زوجاته إليه ، و اتهامها يمس كرامته و شرفه ، و أبطأ الوحي ، و تحرَّج الرسول -صلى الله عليه وسلم- و تحرَّج صحابته معه حتى بلغت القلوب الحناجر ،  و بذل جهده في التحري و الاستشارة ، و مضى شهر بأكمله ، و لم يزد على أنه قال لها آخر الأمر: " أما إنه بلغني كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئة فيسيبرِّئك الله ، و إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله"، و ظل هكذا إلى أن نزل الوحي ببراءتها، فماذا كان يمنعه لو أن القرآن كلامه من أن يقول كلامًا يقطع به ألسنة المتخرصين ، و يحمي عرضه؟ و لكنه ما كان ليذر الكذب على الناس، و يكذب على الله: [ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ].


و استأذن جماعة في التخلف عن غزوة تبوك و أبدوا أعذارًا ، و كان منهم مَن انتحل هذه الأعذار من المنافقين و أذن لهم ، فنزل القرآن الكريم معاتبًا له لخطأ رأيه: [ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ]. 

و لو كان هذا العتاب صادرًا عن وجدانه تعبيرًا عن ندمه حين تبين له فساد رأيه لما أعلنه عن نفسه بهذا التعنيف الشديد و العتاب القاسي.
و نظير هذا معاتبته -صلى الله عليه وسلم- في قبول الفداء من أسرى بدر: [ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ]. و معاتبته في توليه عن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى -رضي الله عنه- اهتمامًا بنفر من أكابر قريش في دعوتهم إلى الإسلام: [ عَبَسَ وَتَوَلَّى, أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}..
و المعهود في سيرته -صلى الله عليه وسلم- أنه كان منذ نعومة أظفاره مثلًا فريدًا في حسن الخُلُق ، وكريم السجايا ، و صدق اللَّهجة ، و إخلاص القول و العمل ، و قد شهد له بهذا قومه عندما دعاهم في مطلع الدعوة و قال لهم: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بظهر هذا الوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟" قالوا : نعم ، ما جرَّبنا عليك كذبًا" .
وكانت سيرته العطرة مهوى أفئدة الناس إليه للدخول في الإسلام ، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: "لما قَدِمَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، انجفل الناس إليه ، و قيل: قَدِمَ رسول الله ، قَدِمَ رسول الله ، فجئتُ في الناس لأنظر إليه فلما استثبت وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عرفت أن وجهه ليس بوجه كذَّاب".
و صاحب هذه الصفات العظيمة التي يُتَوِّجها الصدق ما ينبغي لأحد أن يشك في قوله حينما أعلن نفسه بأنه ليس واضع ذلك الكتاب:    [ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ].
2- و زعم الجاهليون قديمًا وحديثًا أنه عليه الصلاة والسلام كان له من حدة الذكاء، ونفاذ البصيرة، وقوة الفراسة ، وشدة الفطنة ، وصفاء النفس، وصدق التأمل، ما يجعله يدرك مقاييس الخير والشر، والحق والباطل، بالإلهام ، ويتعرف على خفايا الأمور بالكشف والوحي النفسي، ولا يخرج القرآن عن أن يكون أثرًا للاستنباط العقلي، والإدراك الوجداني عبر عنه محمد بأسلوبه وبيانه.
وأي شيء في القرآن يعتمد على الذكاء والاستنباط والشعور؟
فالجانب الإخباري -وهو قسم كبير من القرآن- لا يماري عاقل في أنه لا يعتمد إلا على التلقي والتعلم.
 لقد ذكر القرآن أنباء من سبق من الأمم والجماعات والأنبياء والأحداث التاريخية بوقائعها الصحيحة الدقيقة كما يذكر شاهد العيان مع طول الزمن الذي يضرب في أغوار التاريخ إلى نشأة الكون الأولى بما لا يدع مجالًا لإعمال الفكر ودقة الفراسة، ولم يعاصر محمد -صلى الله عليه وسلم- تلك الأمم وهذه الأحداث في قرونها المختلفة حتى يشهد وقائعها وينقل أنباءها ، كما لم يتوارث كتبها ليدرس دقائقها ويروي أخبارها: [ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ, وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ].
 [ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا].. [ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ].. [ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ]..
ومنها أنباء دقيقة تتناول الأرقام الحسابية التي لا يعلمها إلا الدارس البصير، ففي قصة نوح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ}. 
وهذا موافق لما جاء في سفر التكوين من التوراة. وفي قصة أصحاب الكهف: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا}.. 
و هي عند أهل الكتاب ثلاثمائة سنة شمسية، والسنون التسع هي فرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية.
فمن أين أتى محمد -صلى الله عليه وسلم- بهذه الدقائق الصحيحة لو لم يكن يُوحى إليه وهو الرجل الأمي الذي عاش في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب؟
و قد كان أهل الجاهلية الأولى أذكى من ملاحدة الجاهلية المعاصرة ، فإن أولئك لم يقولوا إن محمدًا استقى هذه الأخبار من وحي نفسه كما يقول هؤلاء ، بل قالوا إنه درسها وأُمليت عليه [ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.
 ولم يتلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- درسًا على معلم قط -كما سيأتي- فمن أين جاءته هذه الأنباء فجأة بعد أن بلغ الأربعين؟ {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}..
هذا في الجانب الإخباري.
أما في سائر العلوم التي تضمنها القرآن فإن قسم العقائد يتناول كذلك أمورًا تفصيلية عن بدء الخلق ونهايته، والحياة الآخرة وما فيها من الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، وما يتبع ذلك من الملائكة وأوصافهم ووظائفهم - وهذه معلومات لا مجال فيها لذكاء العقل وقوة الفراسة البتة: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} .. {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}..
ناهيك بما تضمنه القرآن من أحكام قاطعة عن أخبار المستقبل التي تجري على سُنن الله الاجتماعية، في القوة والضعف، والصعود والهبوط، والعزة والذلة، والبناء والدمار: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شيئًا} ، { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ, الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}
 {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}..
أضف إلى هذا أن القرآن الكريم قد حكى عن رسول الله اتباعه للوحي: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي} . وأنه بشر لا يعلم الغيب ولا يملك من أمر نفسه شيئًا {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}. {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}.
وقد كان عليه الصلاة والسلام عاجزًا عن إدراك حقيقة ما وقع بين خصمين شاهدين أمامه ليقضي بينهما وهو يسمع أقوالهما فهو بلا شك أشد عجزًا عن إدراك ما فات وما هو آت: سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها".
قال الدكتور محمد عبد الله دراز: "هذا الرأي هو الذي يروجه الملحدون اليوم باسم "الوحي النفسي" زاعمين أنهم بهذه التسمية قد جاءونا برأي علمي جديد ، و ما هو بجديد ، و إنما هو الرأي الجاهلي القديم ، لا يختلف عنه في جملته ولا في تفصيله، فقد صوَّروا النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا ذا خيال واسع وإحساس عميق فهو إذن شاعر، ثم زادوا فجعلوا وجدانه يطغى كثيرًا على حواسه حتى يُخيل إليه أنه يرى ويسمع شخصًا يكلمه، وما ذاك الذي يراه ويسمعه إلا صورة أخيلته ووجداناته فهو إذن الجنون أو أضغاث الأحلام، على أنهم لم
يطيقوا الثبات طويلًا على هذه التعليلات، فقد اضطروا أن يهجروا كلمة "الوحي النفسي" حينما بدا لهم في القرآن جانب الأخبار الماضية والمستقبلة، فقالوا: لعله تلقفها من أفواه العلماء في أسفاره للتجارة، فهو إذن قد علمه بشر, فأي جديد ترى في هذا كله؟ أليس كله حديثًا معادًا يضاهون به قول جهال قريش؟ وهكذا كان الإلحاد في ثوبه الجديد صورة منتسخة، بل ممسوخة منه في أقدم أثوابه، وكان غذاء هذه الأفكار المتحضرة في العصر الحديث مستمدًا من فتات الموائد التي تركتها تلك القلوب المتحجرة في عصور الجاهلية الأولى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}..
وإن تعجب فعجب قولهم مع هذا كله إنه كان صادقًا أميناً، وإنه كان معذورًا في نسبة رؤاه إلى الوحي الإلهي، لأن أحلامه القوية صورتها له وحيًا إلهيًّا، فما شهد إلا بما علم، وهكذا حكى الله لنا عن أسلافهم حيث يقول: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}..
 فإن كان هذا عذره في تصوير رؤاه وسماعه فما عذره في دعواه أنه لم يكن يعلم تلك الأنباء لا هو ولا قومه من قبل هذا، بينما هو قد سمعها -بزعمهم من قبل- فليقولوا إذن إنه افتراه ليتم لهم بذلك محاكاة كل الأقاويل، ولكنهم لا يريدون أن يقولوا هذه الكلمة لأنهم يدعون الإنصاف والتعقل، ألا فقد قالوها من حيث لا يشعرون".
3- وزعم الجاهليون قديمًا وحديثًا أن محمدًا قد تلقى العلوم القرآنية على يد معلم.
وهذا حق ، إلا أن المعلم الذي تلقى عنه القرآن هو مَلَك الوحي، أما أن يكون له معلم آخر من قومه، أو من غير قومه فلا.
إنه عليه الصلاة والسلام قد نشأ أميًّا وعاش أميًّا، في أمة أمية لم
 يُعرف فيها أحد يحمل وسام العلم والتعليم، وهذا واقع يشهد به التاريخ، و لا مرية فيه.
أما أن يكون له معلم من غير قومه فإن الباحث لا يستطيع أن يقع في التاريخ على كلمة واحدة تشهد بأنه لقي أحدًا من العلماء حدثه عن الدين قبل إعلان نبوته.
حقيقة إنه رأى في طفولته بحيرى الراهب في سوق بصرى بالشام ، و لقي في مكة ورقة بن نوفل إثر مجيء الوحي ، و لقي بعد الهجرة علماء من اليهود و النصارى ، لكن المقطوع به أنه لم يتلق عن أحد من هؤلاء شيئًا من الأحاديث قبل نبوته، أما بعد النبوة ، فقد كانوا يسألونه مجادلين فيستفيدون منه ويأخذون عنه، ولو كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ شيئًا عن واحد منهم لما سكت التاريخ عنه، لأنه ليس من الهنات الهينات التي يتغاضى عنها الناس ، لا سيما الذين يقفون للإسلام بالمرصاد ، و الكلمات التي ذكرها التاريخ عن راهب الشام أو ورقة بن نوفل كانت بشارة بنبوته عليه الصلاة والسلام ، أو اعترافًا بها.
و نقول لهؤلاء الذين يزعمون أن محمدًا كان يعلمه بشر: ما اسم هذا المعلم ؟ و عندئذ نرى الجواب المتهافت المتداعي في "حدَّاد رومي" ينسبون إليه ذلك ، فكيف يستساغ عقلًا أن تكون العلوم القرآنية صادرة من رجل لم تعرفه مكة عالماً متفرغًا لدراسة الكتب ، بل عرفته حدَّادًا منهمكًا في مطرقته و سندانه ، عامي الفؤاد ، أعجمي اللسان لا تعدو قراءته أن تكون رطانة بالنسبة إلى العرب: [ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ].
ولقد كان العرب أحرص الناس على دفع هذا القرآن إمعانًا في خصومة محمد -صلى الله عليه وسلم- ولكنهم عجزوا ووجدوا السبل أمامهم مغلقة ، و باءت كل محاولاتهم بالفشل ، فما للملحدين اليوم -وقد مضى أربعة عشر قرنًا على ذلك- يبحثون في قمامات التاريخ ملتمسين سبيلًا من تلك السبل الفاشلة نفسها؟!
وبهذا يتبين أن القرآن الكريم لا يوجد له مصدر إنساني ، لا في نفس صاحبه ، و لا عند أحد من البشر ، فهو تنزيل الحكيم الحميد.
ونشأة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيئة أمية جاهلية ، و سيرته بين قومه ، من أقوى الدلائل على أن الله قد أعده لحمل رسالته ، وأوحى إليه بهذا القرآن هداية لأمته: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ, صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}. يقول الأستاذ محمد عبده في رسالة التوحيد: "من السنن المعروفة أن يتيمًا فقيرًا أميًّا مثله تنطبع نفسه بما تراه من أول نشأته إلى زمن كهولته ، و يتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه ، لا سيما إن كان من ذوي قرابته ، و أهل عُصبته ، و لا كتاب يرشده ، و لا أستاذ ينبهه ، و لا عضد إذا عزم يؤيده ، فلو جرى الأمر فيه على جاري السنن لنشأ على عقائدهم ، و أخذ بمذاهبهم ، إلى أن يبلغ مبلغ الرجال ، و يكون للفكر والنظر مجال ، فيرجع إلى مخالفتهم ، إذا قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم ، كما فعل القليل ممن كانوا على عهده".
 و لكن الأمر لم يجر على سننه ، بل بُغِّضَت إليه الوثنية من مبدأ عمره ، فعاجلته طهارة العقيدة ، كما بادره حسن الخليقة ، و ما جاء في الكتاب من قوله: {وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى} . لا يُفهم منه أنه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد ، أو على غير السبيل القويم ، قبل الخُلُق العظيم ، حاشى لله ، إن ذلك لهو الإفك المبين ، و إنما هي الحيرة تلم بقلوب أهل الإخلاص ، فيما يرجون للناس من الخلاص ، و طلب السبيل إلى ما هدوا إليه من إنقاذ الهالكين ، و إرشاد الضالّين ، و قد هدى الله نبيه إلى ما كانت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته ، و اختياره من بين خلقه لتقرير شريعته". 

و إلى لقاء جديد مع درس جديد من علوم القرآن العظيم ، دستورنا الخالد ، نرفع به إيماننا ، و نعلي به شأننا ، و نتعلم منه ما ينجينا عند ربنا يوم نلقاه ، و الله الموفق لا رب سواه .


2014-04-02

الدرس الثالث من سلسلة علوم القرآن .

بسم الله الرحمن الرحيم :

 الدرس الثالث من سلسلة علوم القرآن .

مقدمة :

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
والحمد لله الذي لا يُؤدى شُكر نعمة من نِعَمِهِ؛ إلا بنعمة منه توجب على مؤدي ماضي نعمه بأدائها نعمةً حادثةً، يجب عليه شكره بها.
ولا يبلغ الواصفون كُنه عظمته. الذي هو كما وصف نفسه، وفوق
ما يصفه به خلقه.
أحمده حمدا كما ينبغي لكرم وجهه وعِز جلاله.
وأستعينه استعانةَ من لا حول له ولا قوة إلا به.
وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه.
وأستغفره لما أَزلفت وَأَخرت: استغفار من يُقر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.


الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي :

سبق تعريف القرآن ، و لكي نعرف الفرق بينه و بين الحديث القدسي و الحديث النبوي نعطي التعريفين الآتيين:

الحديث النبوي:

الحديث في اللغة: ضد القديم ، و يُطلق و يراد به كلام يُتحدث به و يُنقل و يَبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه، و بهذا المعنى سُمِّيَ القرآن حديثًا: [ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا] ، و سُمِّيَ ما يُحَدَّثُ به الإنسان في نومه: [ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ] .
و الحديث في الاصطلاح : ما أُضِيفَ إلى النبي - صلى الله عليه و سلم- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.
فالقول: كقوله ، صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات ،  و إنما لكل امرئ ما نوى..".
والفعل : كالذي ثبت من تعليمه لأصحابه كيفية الصلاة ثم قال: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" ، وما ثبت من كيفية حجه، وقد قال: "خذوا عني مناسككم" .
و الإقرار: كأن يُقِرَّ أمرًا عَلِمَهُ عن أحد الصحابة من قول أو فعل. سواء أكان ذلك في حضرته -صلى الله عليه وسلم- أما في غيبته ثم بلغه ، و من أمثلته : "أكل الضبّ على مائدته ، صلى الله عليه وسلم"، "وما رُوِي من أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلا على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ [ قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ ] ، فلما رجعوا ذكروا ذلك له عليه الصلاة والسلام ، فقال : سلوه لأي شيء يصنع ذلك ؟ فسألوه ، فقال : لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله يحبه" .
و الصفة: كما رُوِيَ : "من أنه -صلى الله عليه وسلم- كان دائم البِشر ، سهل الخُلُق ، لَيِّنَ الجانب ، ليس بفظٍّ و لا غليظٍ و لا صخَّاب و لا فحَّاش و لا عيَّاب...".

الحديث القدسي:

عرَّفنا معنى الحديث لغة ، و القدسي: نسبة إلى القُدُسْ ، و هي نسبة تدل على التعظيم ، لأن مادة الكلمة دالة على التنزيه والتطهير في اللغة ، فالتقديس: تنزيه الله تعالى ، و التقديس: التطهير ، و تقدَّس: تطهَّر ، قال الله تعالى على لسان ملائكته: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ] أي ننزهك و نبرئك ما يضيفه إليك أهل الشرك بك ، و قيل : نُطَهِّرُ أنفسنا لك ، و قال قتادة : التقديس ، الصلاة ، و قال بعضهم : نقدس لك أي نعظمك و نمجدك.
و الحديث القدسي في الاصطلاح: هو ما يضيفه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الله تعالى ، أي إن النبي -صلى الله عليه وسلم- يرويه على أنه من كلام الله ، فالرسول راوٍ لكلام الله بلفظ من عنده ، و إذا رواه أحدٌ رواه عن رسول الله مُسْنَدًا إلى الله عز وجل ، فيقول: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه عز وجل....".
أو يقول : "قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى - أو يقول الله تعالى...".
و مثال الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه عز وجل:"يد الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحَّاء الليل والنهار...". أخرجه البخاري .
ومثال الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: يقول الله تعالى "أنا عند ظن عبدي بي ، و أنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، و إن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منه...". متفق عليه.

الفرق بين القرآن والحديث القدسي:

هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي أهمها:
1- أن القرآن الكريم كلام الله أَوْحَى به إلى رسول الله بلفظه ، و تحدى به العرب ، فعجزوا عن أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور مثله ، أو بسورة من مثله ، و لا يزال التحدي به قائمًا ، فهو معجزة خالدة إلى يوم الدين. و الحديث القدسي لم يقع به التحدي و الإعجاز.
2- و القرآن الكريم لا يُنْسَب إلا إلى الله تعالى ، فيقال : قال الله تعالى.
و الحديث القدسي -كما سبق- قد يُرْوَى مضافًا إلى الله و تكون النسبة إليه حينئذ نسبة إنشاء فيقال : قال الله تعالى ، أو: يقول الله تعالى ، و قد يُرْوَى مضافًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتكون النسبة حينئذ نسبة إخبار لأنه عليه الصلاة والسلام هو المُخْبِرُ به عن الله، فيقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه عز وجل.
3- و القرآن الكريم جميعه منقول بالتواتر ، فهو قطعي الثبوت ، و الأحاديث القدسية أكثرها أخبار آحاد ، فهي ظنية الثبوت. و قد يكون الحديث القدسي صحيحًا ، و قد يكون حسنًا ، و قد يكون ضعيفًا.
4- و القرآن الكريم من عند الله لفظًا و معنًى ، فهو وحي باللفظ و المعنى.
و الحديث القدسي معناه من عند الله ، و لفظه من عند الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الصحيح فهو وحي بالمعنى دون اللفظ ، و لذا تجوز روايته بالمعنى عند جمهور المحدِّثين.
5- و القرآن الكريم مُتَعَبَّدٌ بتلاوته، فهو الذي تتعين القراءة به في الصلاة: [ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ] ، وقراءته عبادة يُثيب الله عليها بما جاء في الحديث : "من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول "ألم" حرف ، و لكن ألف حرف، و لام حرف ، و ميم حرف" .
و الحديث القدسي لا يجزئ في الصلاة ، و يثيب الله على قراءته ثوابًا عامًّا ، فلا يصدق فيه الثواب الذي ورد ذكره في الحديث على قراءة القرآن ، بكل حرف عشر حسنات. 

الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي:

الحديث النبوي قسمان:
"قسم توقيفي" و هو الذي تلقى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مضمونه من الوحي فبيَّنه للناس بكلامه ، و هذا القسم و إن كان مضمونه منسوبًا إلى الله فإنه -من حيث هو كلام- حَرِي بأن يُنسب إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأن الكلام إنما يُنسب إلى قائله و إن كان ما فيه من المعنى قد تلقاه عن غيره.
و"قسم توفيقي"، [ أي اجتهادي ] : و هو الذي استنبطه الرسول -صلى الله عليه وسلم- من فهمه للقرآن ، لأنه مبيِّن له ، أو استنبطه بالتأمل و الاجتهاد . و هذا القسم الاستنباطي الاجتهادي يقره الوحي إذا كان صوابًا ، و إذا وقع فيه خطأ جزئي نزل الوحي بما فيه الصواب[ و مثاله ما كان في أسرى بدر ، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ برأي أبي بكر و قبل منهم الفداء ، فنزل القرآن الكريم معاتبًا له: [ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ] الأنفال: 67 . و ليس هذا القسم كلام الله قطعًا.
و يتبين من ذلك : أن الأحاديث النبوية بقسميها: التوقيفي ، و التوفيقي الاجتهادي الذي أقره الوحي ، يمكن أن يقال فيها إن مردها جميعًا بجملتها إلى الوحي ، و هذا معنى قوله تعالى في رسولنا ، صلى الله عليه وسلم:  [ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى, إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ] ،
و الحديث القدسي معناه من عند الله عز وجل ، يُلْقَى إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكيفية من كيفيات الوحي -لا على التعيين- أما ألفاظه فمن عند الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الراجح و نسبته إلى الله تعالى نسبة لمضمونه لا نسبة لألفاظه ، و لو كان لفظه من عند الله لما كان هناك فرق بينه و بين القرآن ، و لَوقع التحدي بأسلوبه و التعبد بتلاوته .
و يرد على هذا شبهتان!
الشبهة الأولى: أن الحديث النبوي وحي بالمعنى كذلك، واللفظ من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلماذا لا نسميه قدسيًّا أيضًا؟
والجواب: أننا نقطع في الحديث القدسي بنزول معناه من عند الله لورود النص الشرعي على نسبته إلى الله بقوله, صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى، أو يقول الله تعالى" ولذا سميناه قدسيًّا، بخلاف الأحاديث النبوية فإنها لم يرد فيها مثل هذا النص، ويجوز في كل واحد منها أن يكون مضمونه معلَّمًا بالوحي "أي توقيفيًّا" وأن يكون مستنبطًا بالاجتهاد "أي توفيقيًّا" ولذا سمينا الكل نبويًّا وقوفًا بالتسمية عند الحد المقطوع به، ولو كان لدينا ما يميز الوحي التوقيفي لسميناه قدسيًّا كذلك.
الشبهة الثانية: أنه إذا كان لفظ الحديث القدسي من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فما وجه نسبته إلى الله بقوله ، صلى الله عليه وسلم : "قال الله تعالى ، أو يقول الله تعالى".
و الجواب : أن هذا سائغ في العربية ، حيث ينسب الكلام باعتبار مضمونه لا باعتبار ألفاظه ، فأنت تقول حينما تنثر بيتًا من الشعر: يقول الشاعر كذا ، و حينما تحكي ما سمعته من شخص : يقول فلان كذا ، و قد حكى القرآن الكريم عن موسى و فرعون و غيرهما مضمون كلامهم بألفاظ غير ألفاظهم ، و أسلوب غير أسلوبهم ، و نسب ذلك إليهم: [ وَ إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ، وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ، وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ، قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ، فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ ، قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ، فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ، وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ, قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ].
3- الوحي:

إمكانية الوحي ووقوعه:

ازدهرت الحياة العلمية و بددت أشعتها كل ريبة كانت تساور الناس إلى عهد قريب فيما وراء المادة من روح ، و آمن العلم المادي الذي وضع جل الكائنات تحت التجربة والاختبار بأن هناك عالمًا غيبيًّا وراء هذا العالمَ المشاهَد ، و أن عالَم الغيب أدق و أعمق من عالَم الشهادة ، و أكثر المخترعات الحديثة التي أخذت بألباب الناس تحجب وراءها هذا السر الخفي الذي عجز العلم عن إدراك كنهه و إن لاحظ آثاره و مظاهره ، و قَرَّبَ هذا بُعْدَ الشقة بين التنكر للأديان و الإيمان بها مصداقًا لقوله تعالى: [ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ] ، و قوله: [ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ]..
و ليس ببعيد على الله تعالى أن يختار من عباده نفوسًا لها من نقاء الجوهر و سلامة الفطرة ما يعدها للفيض الإلهي ، و الوحي السماوي ، و الاتصال بالملأ الأعلى ، ليُلقي إليها برسالاته التي تسد حاجة البشر في رقي وجدانه ، و سمو أخلاقه ، و استقامة نظامه ، و هؤلاء هم رسله و أنبياؤه.
و لا غرابة في أن يكون هذا الاتصال بالوحي السماوي. 
و قد شاهد الوحي معاصروه ، و نُقِلَ بالتواتر المستوفي لشروطه بما يفيد العلم القطعي إلى الأجيال اللاحقة ، و لمست الإنسانية أثره في حضارة أمته ، و قوة أتباعه ، و عزتهم ما استمسكوا به و انهيار كيانهم و خذلانهم ما فرَّطوا في جنبه ، مما لا يدع مجالًا للشك في إمكان الوحي وثبوته.  و ضرورة العودة إلى الاهتداء به إطفاء للظمأ النفسي بِمُثُلِهِ العليا ، و قيمه الروحية.
و لم يكن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- أول رسول أُوحِيَ إليه ، بل أَوْحَى الله تعالى إلى الرسل قبله بمثل ما أَوْحَى إليه: [ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَ الْأَسْبَاطِ وَ عِيسَى وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ، وَ رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ] .
فليس هناك في نزول الوحي على محمد -صلى الله عليه وسلم- ما يدعو إلى العجب ، و لذا أنكر الله على العقلاء هذا في قوله: [ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ] . 
معنى الوحي:
يقال: وحيت إليه وأوحيت: إذا كلَّمته بما تخفيه عن غيره ، و الوحي: الإشارة السريعة ، و ذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض ، و قد يكون بصوت مجرد، و بإشارة ببعض الجوارح.
والوحي مصدر ، و مادة الكلمة تدل على معنيين أصليين ، هما: الخفاء و السرعة ، و لذا قيل في معناه: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجَّه إليه بحيث يخفى على غيره، وهذا معنى المصدر، ويُطلق ويُراد به الوحي، أي بمعنى اسم المفعول. والوحي بمعناه اللغوي يتناول:
1- الإلهام الفطري للإنسان ، كالوحي إلى أُم موسى [ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ] .
2- و الإلهام الغريزي للحيوان ، كالوحي إلى النحل [ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ].
3- و الإشارة السريعة على سبيل الرمز و الإيحاء كإيحاء زكريا فيما حكاه القرآن عنه: [ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا] .
4- ووسوسة الشيطان و تزيينه الشر في نفس الإنسان: [ وَ إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ] ، [ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا] .
5- و ما يُلقيه الله إلى ملائكته من أمر ليفعلوه: [ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ].
ووحي الله إلى أنبيائه قد عرَّفوه شرعًا بأنه : كلام الله تعالى المُنَزَّلُ على نبي من أنبيائه. و هو تعريف له بمعنى اسم المفعول أي الموحى.
و الوحي بالمعنى المصدري اصطلاحًا : هو إعلام الله تعالى مَن يصطفيه من عباده ما أراد من هداية بطريقة خفية سريعة.
و بأن الإلهام: وجدان تستيقنه النفس فتنساق إلى ما يُطلب على غير شعور منها من أين أتى؟ وهو أشبه بوجدان الجوع و العطش والحزن والسرور .
و هو تعريف للوحي بالمعنى المصدري ، و بدايته و إن كانت توهم شبهه بحديث النفس أو الكشف ، إلا أن الفرق بينه و بين الإلهام الذي جاء في عجز التعريف ينفي هذا.
كيفية وحي الله إلى ملائكته:
1- جاء في القرآن الكريم ما ينص على كلام الله لملائكته: [ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ].
وعلى إيحائه إليهم: [ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ].
و على قيامهم بتدبير شئون الكون حسب أمره: [ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ] ، [ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ].
وهذه النصوص متآزرة تدل على أن الله يُكَلِّمُ الملائكة دون واسطة بكلام يفهمونه.
و يؤيد هذا ما جاء في الحديث عن النوَّاس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي ، أخذت السموات منه رجفة  أو قال: رعدة- شديدة - خوفًا من الله عز وجل ، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا و خرُّوا لله سجَّدًا ، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ، فيُكَلِّمُهُ الله من وحيه بما أراد ، ثم يمر جبريل على الملائكة ، كلما مر سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: " قال الحق و هو العلي الكبير" فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل ، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل" .
فهذا الحديث يبين أن كيفية الوحي تكلم من الله ، و سماع من الملائكة ، وهول شديد لأثره ، و إذا كان ظاهره -في مرور جبريل و انتهائه بالوحي- يدل على أن ذلك خاص بالقرآن فإن صدره يبين كيفية عامة ، و أصله في الصحيح: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضرب الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان" ..
2- و ثبت أن القرآن الكريم كُتِبَ في اللَّوح المحفوظ لقوله تعالى: [ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ].
كما ثبت إنزاله جملة إلى بيت العزة من السماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان: [ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ] ، [ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ]، [ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ]..
و في السٌّنَّة ما يوضح هذا النزول ، و يدل على أنه غير النزول الذي كان على قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعن ابن عباس موقوفًا: " أُنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أُنزل بعد ذلك بعشرين سنة ثم قرأ : [ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ] ، [ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ] ، و في رواية: "فُصِلَ القرآن من الذكر فوُضِعَ في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي ، صلى الله عليه و سلم .
ولذلك ذهب العلماء في كيفية وحي الله إلى جبريل بالقرآن إلى المذاهب الآتية:
أ- أن جبريل تلقفه سماعًا من الله بلفظه المخصوص.
ب- أن جبريل حفظه من اللَّوح المحفوظ.
جـ- أن جبريل أُلقي إليه المعنى – و الألفاظ لجبريل ، أو لمحمد ، صلى الله عليه و سلم.
والرأي الأول هو الصواب ، و هو ما عليه أهل السٌّنَّة و الجماعة ، و يؤيده حديث النوَّاس بن سمعان السابق.
ونسبة القرآن إلى الله في أكثر من آية: [ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ]..
[ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ].. [ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ].
فالقرآن الكريم كلام الله بألفاظه لا كلام جبريل أو محمد.
أما الرأي الثاني فلا اعتبار له ، إذ إن ثبوت القرآن في اللَّّوح المحفوظ كثبوت سائر المغيبات التي لا يخرج القرآن عن أن يكون من جملتها.
و الرأي الثالث أنسب بالسٌّنَّة لأنها وحي من الله أُوحي إلى جبريل ، ثم إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- بالمعنى ، فعبَّر عنه رسول الله بعبارته: [ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى].. و لذا جازت رواية السٌّنَّة بالمعنى لعارف بما لا يحيل المعاني دون القرآن..
 و يُجاب على من قال: إنه كلام جبريل ، بأن هذا قول فاسد لوجوه:
أحدها: أن المسلمين أجمعين إذا تلوا آية قالوا: قال الله تعالى ، و لو كان هذا قول جبريل لقالوا : قال جبريل.
الثاني: أن هذا الذي بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين هو كتاب الله ، و على قولهم فإنه يكون كتاب جبريل.
الثالث: أن الله تعالى قال: [ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ]. و على قولهم ، ما نزَّله من ربك ، إنما نزَّله من كلام نفسه.
الرابع: أن الله تعالى قال: [ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ ] ، و قال: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ] .. و على قولهم لا يكون هذا صحيحًا ، و إنما يكون المسموع كلام جبريل.
ويُجاب على من قال: إنه كلام محمد بأن هذا باطل لتلك الوجوه الآنفة الذكر كلها. و من وجه آخر ، فإنهم وافقوا الوليد بن المغيرة في قوله: [ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ]، فدخلوا معه في الوعيد بقوله تعالى: [ سأصليه سَقَرَ ].
و يرد عليهم من الجواب ما أجاب الله تعالى به المشركين بقوله سبحانه: [ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ].
و سبق أن ذكرنا الفرق بين القرآن و الحديث القدسي والحديث النبوي.
فمن خصائص القرآن:
1- أنه مُعْجِز.
2- قطعي الثبوت.
3- يُتَعَبَّدُ بتلاوته.
4- و يجب أداؤه بلفظه ، و الحديث القدسي -على القول بنزول لفظه- ليس كذلك.
و الحديث النبوي قسمان: الأول: ما اجتهد فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- و هذا ليس وحيًا و يكون إقرار الوحي له بسكوته إذا كان صوابًا.
و الثاني: ما أُوحِيَ إليه بمعناه و اللَّفظ لرسول الله ، و لذا يجوز روايته بالمعنى. و الحديث القدسي -على القول الراجح بنزول معناه دون لفظه- يكون من هذا القسم و نسبته إلى الله في الرواية لورود النص الشرعي على ذلك دون الأحاديث النبوية. 
كيفية وحي الله إلى رسله:
يوحي الله إلى رسله بواسطة و بغير واسطة.
فالأول: بواسطة جبريل مَلك الوحي و سيأتي بيانه.
و الثاني: هو الذي لا واسطة فيه.
أ- منه الرؤيا الصالحة في المنام: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "أول ما بُدِئَ به -صلى الله عليه وسلم- الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح". و كان ذلك تهيئة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى ينزل عليه الوحي يقظة و ليس في القرآن شيء من هذا النوع لأنه نزل جميعه يقظة ، خلافًا لمن ادَّعى نزول سورة "الكوثر" منامًا للحديث الوارد فيها ، ففي صحيح مسلم عن أنس ، رضي الله عنه: " بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا فقلت: ما أضحكك يا رسول الله ؟ فقال: "نزلت عليَّ آنفًا سورة" ، فقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ].. فلعل الإغفاء هذه هي الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي.
ومما يدل على أن الرؤية الصالحة للأنبياء في المنام وحي يجب اتباعه ما جاء في قصة إبراهيم من رؤيا ذبحه لولده إسماعيل : [ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ  , فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ, فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ, وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ, قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ, إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ, وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ, وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ, سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ, كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ, إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ, وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ]. و لو لم تكن هذه الرؤيا وحيًا يجب اتباعه لما أقدم إبراهيم عليه السلام على ذبح ولده لولا أن منَّ الله عليه بالفداء.
الرؤيا الصالحة ليست خاصة بالرسول ، فهي باقية للمؤمنين ، و إن لم تكن وحيًا ، قال عليه الصلاة والسلام: "انقطع الوحي وبقيت المبشرات ، رؤيا المؤمن".
و الرؤيا الصالحة في المنام للأنبياء هي القسم الأول من أقسام التكليم الإلهي المذكور في قوله تعالى:
 [ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ].
ب- ومنه الكلام الإلهي من وراء حجاب بدون واسطة يقظة ، و هو ثابت لموسى عليه السلام : [ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ] ، [ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ].
كما ثبت التكلم على الأصح لرسولنا -صلى الله عليه وسلم- ليلة الإسراء  و المعراج.
وهذا النوع هو القسم الثاني المذكور في الآية: [ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ] ، وليس في القرآن شيء منه كذلك. 
كيفية وحي المَلَكِ إلى الرسول: 
وحي الله إلى أنبيائه إما أن يكون بغير واسطة، وهو ما ذكرناه آنفًا. وكان منه الرؤيا الصالحة في المنام ، و الكلام الإلهي من وراء حجاب يقظة ، وإما أن يكون بواسطة مَلَك الوحي وهو الذي يعنينا في هذا الموضوع لأن القرآن الكريم نزل به.
ولا تخلو كيفية وحي المَلَكِ إلى الرسول من إحدى حالتين:
الحالة الأولى: وهي أشد على الرسول، أن يأتيه مثل صلصلة الجرس ، والصوت القوي يثير عوامل الانتباه فتُهَيَّأ النفس بكل قواها لقبول أثره ، فإذا نزل الوحي بهذه الصورة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- نزل عليه وهو مستجمع القوى الإدراكية لتلقيه وحفظه وفهمه، وقد يكون هذا الصوت حفيف أجنحة الملائكة المشار إليه في الحديث: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسلة على صفوان" .
 وقد يكون صوت المَلَكِ نفسه في أول سماع الرسول له.
و الحالة الثانية: أن يتمثل له المَلَكُ رجلًا ويأتيه في صورة بشر، وهذه الحالة أخف من سابقتها، حيث يكون التناسب بين المتكلم والسامع، ويأنس رسول النبوَّة عند سماعه من رسول الوحي، ويطمئن إليه اطمئنان الإنسان لأخيه الإنسان.
والهيئة التي يظهر فيها جبريل بصورة رجل لا يتحتم فيها أن يتجرد من روحانيته ،  ولا يعني أن ذاته انقلبت رجلًا ،  بل المراد أنه يظهر بتلك الصورة البشرية أُنْسًا للرسول البشري، ولا شك أن الحالة الأولى -حالة الصلصلة- لا يوجد فيها هذا الإيناس، وهي تحتاج إلى سمو روحي من رسول الله يتناسب مع روحانية المَلَكِ فكانت أشد الحالتين عليه، لأنها كما قال ابن خلدون: "انسلاخ من البشرية الجسمانية واتصال بالمَلَكِيَّةِ الروحانية، والحالة الأخرى عكسها لأنها انتقال المَلَكِ من الروحانية المحضة إلى البشرية الجسمانية".
وكلتا الحالتين مذكور فيما رُوِيَ عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : "يا رسول الله.. كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد عليَّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي المَلَكُ رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول" .
وروت عائشة رضي الله عنها ما كان يصيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من شدة فقالت: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا".
والحالتان هما القسم الثالث من أقسام التكليم الإلهي المشار إليه في الآية: [ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ
1- إِلَّا وَحْيًا
2- أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ
3- أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ]..
أما النفث في الرُّوع -أي القلب- فقد ذُكِرَ في قول الرسول ، صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب". و الحديث لا يدل على أنه حالة مستقلة ، فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين المذكورتين في حديث عائشة ، فيأتيه المَلَكُ في مثل الصلصلة وينفث في روعه ، أو يتمثل له رجلًا وينفث في روعه ، و ربما كانت حالة النفث فيما سوى القرآن الكريم. 

 فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين المذكورتين في حديث عائشة ، فيأتيه المَلَكُ في مثل الصلصلة وينفث في روعه ، أو يتمثل له رجلًا وينفث في روعه ، و ربما كانت حالة النفث فيما سوى القرآن الكريم.
إلى هنا انتهى شرح الدرس الثالث ، و الله المستعان لا رب سواه .

و إلى لقاء آخر متجدد مع درس جديد ، استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

2014-03-30

الدرس الثاني من سلسلة دروس علوم القرآن .

بسم الله الرحمن الرحيم :

الدرس الثاني  من سلسلة علوم القرآن :

التعريف بعلوم القرآن ، و بيان نشأته و تطوره :

قلنا فيما سبق في الدرس الأول ، أن المباحث التي تتناول المسائل العلمية التي في علوم القرآن ، جميعها هي التي تُعرف بعلوم القرآن، حتى صارت علمًا على العلم المعروف بهذا الاسم.
و العلوم : جمع عِلم ، و العلم : الفهم والإدراك. ثم نُقِلَ بمعنى المسائل المختلفة المضبوطة ضبطًا علميًّا.
و المراد بعلوم القرآن : العلمُ الذي يتناول الأبحاث المتعلقة بالقرآن من حيث معرفة أسباب النزول ، و جمع القرآن  و ترتيبه ، و معرفة المكي و المدني ، و الناسخ و المنسوخ، و المُحْكَمِ و المتشابه ، إلى غير ذلك مما له صلة بالقرآن.
و قد يسمى هذا العلم بأصول التفسير ، لأنَّه يتناول كثيرا من المباحث التي لا بد للمفسر من معرفتها للاستناد إليها في تفسير القرآن .

مدخل :

من فضل الله على الإنسان أنه لم يتركه في الحياة يستهدي بما أودعه الله فيه من فطرة سليمة، تقوده إلى الخير ، و ترشده إلى البر فحسب ، بل بعث إليه بين فترة وأخرى رسولا يحمل من الله كتابًا يدعوه إلى عبادة الله وحده ، و يبشر و ينذر ، لتقوم عليه الحجة: [ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ]. 
فالقرآن رسالة الله إلى الإنسانية كافة وقد تواترت النصوص الدالة على ذلك في الكتاب والسٌّنَّة: [  قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا..  [ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا] ، ( وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة ) ، ولن يأتي بعده رسالة أخرى [ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ] .
فلا غرو من أن يأتي القرآن وافيًا بجميع مطالب الحياة الإنسانية على الأسس الأولى للأديان السماوية: [ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ] .
وتحدّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العرب بالقرآن ، و قد نزل بلسانهم ، و هم أرباب الفصاحة والبيان ، فعجزوا عن أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور مثله ، أو بسورة من مثله ، فثبت له الإعجاز ، و بإعجازه ثبتت الرسالة.
و كتب الله له الحفظ و النقل المتواتر دون تحريف أو تبديل ، فمن أوصاف جبريل الذي نزل به: [ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ] و من أوصافه و أوصاف المنزل عليه: [ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ، و مَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ، وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ] ، [ إَنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٍ, فيِ كِتَابٍ مَّكَنُونٍ, لاَ يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّروَنَ ].
ولم تكن هذه الميزة لكتاب آخر من الكتب السابقة لأنها جاءت موقوتة بزمن خاص، وصدق الله إذ يقول: [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ].
و تجاوزت رسالة القرآن الإنس إلى الجن: [ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ ] .
و القرآن بتلك الخصائص يعالج المشكلات الإنسانية في شتى مرافق الحياة ، الروحية و العقلية و البدنية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية علاجًا حكيمًا ، لأنه تنزيل الحكيم الحميد ، و يضع لكل مشكلة بَلْسَمَها الشافي في أسس عامة ، تترسم الإنسانية خُطاها، وتبني عليها في كل عصر ما يلائمها ، فاكتسب بذلك صلاحيته لكل زمان و مكان ، فهو دين الخلود ، و المسلمون هم وحدهم الذين يحملون المشعل وسط دياجير النظم والمبادئ الأخرى ، فحري بهم أن ينفضوا أيديهم من كل بهرج زائف ، و أن يقودوا الإنسانية الحائرة بالقرآن الكريم حتى يأخذوا بيدها إلى شاطئ السلام .
 و كما كانت لهم الدولة بالقرآن في الماضي. فإنها كذلك لن تكون لهم إلا به في الحاضر.

تعريف القرآن:

" قرأ ": تأتي بمعنى الجمع و الضم ، و القراءة : ضم الحروف و الكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل ، و القرآن في الأصل كالقراءة : مصدر قرأ قراءة و قرآنًا. قال تعالى: [ إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ و قَرُآنَهُ ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ] . أي قراءته، فهو مصدر على وزن "فُعلان" بالضم : كالغفران و الشكران ، تقول : قرأته قرءًا و قراءة وقرآنًا ، بمعنى واحد. سمي به المقروء تسمية للمفعول بالمصدر.
و قد خص القرآن بالكتاب المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- فصار له كالعلم الشخصي.
و يطلق بالاشتراك اللفظي على مجموع القرآن ، و على كل آية من آياته ، فإذا سمعت من يتلو آية من القرآن صح أن تقول إنه يقرأ القرآن: [ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ].
و ذكر بعض العلماء أن تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين كتب الله لكونه جامعًا لثمرة كتبه ، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم. 
كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: [ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ] ، و قوله: [ مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ].
وذهب بعض العلماء إلى أن لفظ القرآن غير مهموز الأصل في الاشتقاق ، إما لأنه وضع علمًا مرتجلًا على الكلام المنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- و ليس مشتقًا من "قرأ"، و إما لأنه من قرن الشيء بالشيء إذا ضمه إليه ، أو من القرائن لأن آياته يشبه بعضها بعضًا فالنون أصلية ، و هذا رأي مرجوح ، و الصواب الأول.
و القرآن الكريم يتعذر تحديده بالتعاريف المنطقية ذات الأجناس و الفصول و الخواص .
 بحيث يكون تعريفه حدًّا حقيقيًّا ، و الحد الحقيقي له هو استحضاره معهودًا في الذهن أو مُشاهدًا بالحس كأن تشير إليه مكتوبًا في المصحف أو مقروءًا باللسان فتقول: هو ما بين هاتين الدفتين ، أو تقول: هو من [ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ]... إلى قوله: [ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ]. 
و يذكر العلماء تعريفًا له يُقَرِّبُ معناه ويميزه عن غيره ، فيُعَرِّفُونَهُ بأنه: "كلام الله ، المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- المتعبد بتلاوته". فـ "الكلام" جنس في التعريف، يشمل كل كلام، وإضافته إلى "الله" يُخْرِجُ كلام غيره من الإنس والجن والملائكة.
و"المنزَّل" يُخْرِج كلام الله الذي استأثر به سبحانه: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} ، {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه}.
وتقييد المنزَّل بكونه "على محمد ، صلى الله عليه وسلم" يُخرج ما أُنْزِلَ على الأنبياء قبله كالتوراة والإنجيل وغيرهما.
و "المتعبد بتلاوته" يُخرج قراءات الآحاد ، و الأحاديث القدسية - إن قلنا إنها منزَّلة من عند الله بألفاظها- لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة ، و ليست قراءة الآحاد و الأحاديث القدسية كذلك. 

أسماؤه و أوصافه:

وقد سمّاه الله بأسماء كثيرة:
منها "القرآن". {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}.
و "الكتاب". {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ}.
و "الفرقان". {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}.
و "الذكر".. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}..
و "التنزيل".. {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، إلى غير ذلك مما ورد في القرآن.
و قد غلب من أسمائه : "القرآن" و "الكتاب" ، قال الدكتور محمد عبد الله دراز:
"رُوعِيَ في تسميته "قرآنًا" كونه متلوًّا بالألسن ، كما رُوعِيَ في تسميته "كتابًا" كونه مدوَّنًا بالأقلام ، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه".
و في تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب ، المنقول إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وُضِعَ عليها أول مرة ، و لا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفَّاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.
و بهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها. بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفَّل بحفظه حيث يقول: [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ] و لم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف و التبديل و انقطاع السند" .
و بيَّن سر هذه التفرقة بأن سائر الكتب السماوية جِيء بها على التوقيت لا التأبيد ، و أن هذا القرآن جِيء به مُصَدِّقًا لما بين يديه من الكتب و مهيمنًا عليها ، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق الثابتة زائدًا عليها بما شاء الله زيادته ، وكان سائرًا مسيرها ، و لم يكن شيء منها ليسد مسدّه ، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة ، و إذا قضى الله أمرًا يَسَّر له أسبابه - و هو الحكيم العليم- و هذا تعليل جيد.
ووصف الله القرآن بأوصاف كثيرة كذلك:

منها "نور".. [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا].
و "هدى" و "شفاء" و "رحمة" و "موعظة".. [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ].
و"مبارك".. {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْه}.
و"مبين".. {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}.
و"بشرى".. {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}.
و"عزيز".. [ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ].
و "مجيد".. [ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ].
و"بشير" و"نذير".. [ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا ].
وكل تسمية أو وصف فهو باعتبار معنى من معاني القرآن.
يتبع إن شاء الله تعالى .

و الله الموفق لا رب سواه .

و إلى لقاء آخر يتجدد مع علوم كتاب الله عز و جل .