Translate

2014-05-05

اللقاء الحادي عشر من سلسلة لقاءات السنة و علومها .




بسم الله الرحمن الرحيم :
الدرس الحادي عشر من سلسلة دروس السنّة و علومها – نفعنا الله بها 


درس اليوم : الحديث الموضوع [ المكذوب على رسول الله ] .


الحمد لله الذي يتوب على عباده و يعفو عن السيئات ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن نبينا محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و سلم .

إذا كان سبب الطعن في الراوي هو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحديثه يسمى الموضوع .


1 ـ تعريفه :

ـ لغة : هو اسم مفعول من وضع الشيء أي حطه سمي بذلك لانحطاط رتبته .


ـ اصطلاحا : هو الكذب المختلق المصنوع المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .


2 ـ رتبته :


هو شر الأحاديث الضعيفة وأقبحها . وبعض العلماء يعتبره قسما مستقلا وليس نوعا من أنواع الأحاديث الضعيفة .

3 ـ حكم روايته :أجمع العلماء على أنه لا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مع بيان وضعه ، لحديث مسلم : ( من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) .


4 ـ طرق الوضّاعين في صياغة الحديث :


ا ـ إما أن ينشىء الوضّاع [ الكذاب ] الكلام من عنده ثم يضع له إسنادا و يرويه .


ب ـ و إما أن يأخذ كلام لبعض الحكماء أو غيرهم و يضع له إسنادا .


5 ـ كيف يُعرَفُ الحديث الموضوع : 


يعرف بأمور منها :

ـ إقرار الواضع بالوضع : كإقرار أبى عصمة نوح بن أبى مريم بأنه وضع حديث فضائل سَُوَر القرآن سورة ، سورة ، عن ابن عبّاس رضي الله عنه .


ـ أو ما يتنزّل منزلة إقراره : بأن يحدث عن شيخ فيسأل عن مولده فيذكر تاريخا تكون وفاة ذلك الشيخ قبل مولده هو ، ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده .


ـ أو قرينة في الراوي : مثل أن يكون الراوي رافضيا ، [ و هو من يسب الشيخين أبا بكر و عمر رضي الله عنهما و لا يتولاهما بل قد يلعنهما و يُكَفِّرُهُمَا – و العياذ بالله تعالى -] والحديث في فضائل أهل البيت .


ـ أو قرينة في المروى : مثل كون الحديث ركيك اللفظ ، أو مخالفا للحس أو صريح القرآن .


فمثال الحديث ركيك اللفظ : لا تُسيِّدُوني في الصّلاة .


و مثال الحديث المخالف للحس : إن سفينة نوح طافت بالبيت العتيق سبعا ، و صلت خلف مقام ابراهيم ركعتين ، ثم استوت على جبل الجودي ، فالحس يحكم على هكذا حديث بالاختلاق و الكذب .


و مثال الحديث المخالف لصريح القرآن : ولد الزنا لا يدخل الجنة إلى سبعة أجيال ، هذا مخالف لقوله تعالى : [ لا تزر وازرة وزر أخرى ] .


- فساد المعنى : كقولهم ، الباذنجان شفاء من كل داء ، قال ابن القيم قبّح الله ُ واضعه ، لو قاله طبيب لما صدّقه أحد.


- مخالف للتاريخ : مثاله : أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع الجزية عن أهل خيبر . بمعنى أنّه لم يأخذ منهم الجزية ، و هذا كذب باتفاق العلماء ، لأن من شهود هذا العقد كما زعموا ، سعد بن معاذ و معاوية بن أبي سفيان ، و هذا غير صحيح تاريخيا ، فإن سعد ابن معاذ مات قبل فتح خيبر ، و معاوية لم يسلم حتى فتح مكة ، و فتح مكة كان سنة ثمان للهجرة و فتح خيبر كان سنة سبع ، فكيف يكون رجل شاهدا على شيء لم يكن موجودا فيه أو غير مسلم يومها .


- مخالف للسنّة : مثاله : إذا حُدِّثتم بحديث يوافق الحق ، فخذوا به حَدَّثْتُ به أم لم أحدِّث به . و هذا يخالف ما ثبت في السنة من قوله صلى الله عليه وسلم : [ من كذب علي متعمدا ، فليتبوأ مقعده من النار] .


6 ـ دواعى الوضع وأصناف الوضّاعين :

أـ التقرب الى الله تعالى : بوضع أحاديث ترغب الناس في فعل الخيرات ، وأحاديث تخوفهم من فعل المنكرات ، وهؤلاء الوضّاعين قوم ينتسبون إلى الزهد والصلاح ، وهم شر الوضاعين لأن الناس قبلت موضوعاتهم ثقة بهم . ومن هؤلاء ميسرة بن عبد ربه ، فقد روى ابن حبان في كتابه الضعفاء عن ابن مهدي قال : قلت لميسرة بن عبد ربه : من أين جئت بهذه الأحاديث ، من قرأ كذا فله كذا ؟ قال: وضعتها أرغب الناس .


ب ـ الانتصار للمذهب : لا سيما مذاهب الفرق السياسية بعد ظهور الفتنة وظهور الفرق السياسية كالخوارج والشيعة ،فقد وضعت كل فرقة من الأحاديث ما يؤيد مذهبها ، كحديث:( على خير البشر ، من شك فيه كفر ) ، فرد عليهم جهّال السنّة من أتباع معاوية رضي الله عنه بقولهم : [ دخلت الجنة فوجدت مكتوبا على كل ورقة من أوراق شجرها ، أبوبكر ، عمر ، معاوية ] و هو موضوع .


ج ـ الطعن فى الإسلام : وهؤلاء قوم من الزنادقة لم يستطيعوا أن يكيدوا للإسلام جهارا ، فعمدوا إلى هذا الطريق الخبيث ، فوضعوا جملة من الأحاديث بقصد تشويه الإسلام والطعن فيه . ومن هؤلاء محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة ، فقد روى عن حميد عن أنس مرفوعا: ( أنا خاتم النبيين لا نبي بعدى إلا أن يشاء الله ) ؛ أو حديث : [ إن الله تعالى إذا غضب أنزل الوحي بالعربية ، و إذا رضي أنزله بالفارسية ] و رائحة الحقد على العرب كجنس بشري تفوح من هذا الكذب الممجوج .

ولقد بيَّن جهابذة الحديث و علماؤه أمر هذه الأحاديث ........ و لله الحمد والمنة .


د ـ التزلف الى الحكّام : أي تقرّب بعض ضعفاء الإيمان إلى بعض الحكَّام بوضع أحاديث تناسب ما عليه الحكام من الانحراف ، مثل قصة غيّاث بن إبراهيم النخعي الكوفي مع الخليفة العبّاسي المهدي حين دخل عليه وهو يلعب بالحمام . فساق بسنده على التو إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح ) فزاد كلمة أو جناح لأجل المهدي ، فعرف المهدي ذلك ، فأمر بذبح الحمام ، وقال : أنا حملته على ذلك .


أقول : و ما ذنب الحمام حتى يذبح ، فهلا عاقب الكذّاب المفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

هـ ـ التكسب وطلب الرزق : كبعض القُصَّاص الذين يتكسّبون بالتحدث إلى الناس ، فيوردون بعض القصص المسلية والعجيبة حتى يستمع إليهم الناس ويعطوهم ، كأبي سعيد المدائني الذي اشتهر باختلاق الأحاديث الغريبة لكي يستميل قلوب الناس و جيوبهم .


و ـ قصد الشهرة : وذلك بإيراد الأحاديث الغريبة التي لا توجد عند أحد من شيوخ الحديث ، فيقلبون سند الحديث ليُسْتَغْرَبَ ، فيرغب في سماعه منهم ، كابن أبى دحيه وحماد النصيبي .


7 ـ مذاهب الكرامية فى وضع الحديث :



زعمت فرقة من المبتدعة سُمُّو بالكرَّامية جواز وضع الأحاديث في باب الترغيب والترهيب فقط ، واستدلوا على ذلك بما روي في بعض طرق حديث ( من كذب علي متعمدا ) من زيادة جملة :( لِيُضِلَّ النَّاسَ ) ولكن هذه الزيادة لم تثبت عند حفاظ الحديث .

وقال بعضهم : نحن نكذب له لا عليه . وهذا استدلال في غاية السخف ، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يحتاج شرعُهُ إلى كذَّابين ليروجوه وهذا الزعم خلاف إجماع المسلمين ، حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجويني [ إمام الحرمين ] فجزم بتكفير واضع الحديث .

8 ـ خطأ جمهور الكتّاب و الدعاة بل و المفسرين و كثير من الخطباء في ذكرهم الأحاديث الموضوعة :

لقد أخطأ جمهور الكتاب و الخطباء في إيراد الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبهم و خطبهم و مواعظهم ، دون تحذير منهم ، فاغتر كثير من طلاب العلم بهذا الصنيع فظنوا أن الأحاديث ثابتة و إلا لم أوردها فلان و فلان ، أما عن العامة فلا تسأل عن جهلهم و اتباعهم لكل أسود مخطوط في أبيض ، محتجين بالأحاديث المكذوبة على رسول الله و دليلهم و برهانهم أنها وردت في كتب بعض الوعاظ و المصنفين ممن صدق فيهم المثل : كمثل حاطب ليل ، و هكذا سار على مثل صنيعهم بعض المفسرين في ذكرهم الأحاديث الموضوعة في تفاسيرهم من غير بيان وضعها . لا سيما الحديث المروى عن أبى بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة ، ومن هؤلاء المفسرين :

ـ الثعلبي ـ الواحدي .

ـ الزمخشري . ـ البيضاوي .

ـ الشوكاني اليمني .

9 ـ أشهر المصنفات فيه :

صنّفت كتب كثيرة في بيان المكذوب من الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صارت تؤلف لوحدها مكتبة ضخمة ، و من بين الكتب التي ذكرت الكثير من الموضوع :

- المنار المنيف في الصحيح و الضعيف ، لابن القيم الجوزية .

 - كتاب الموضوعات لابن الجوزي ، و هو من أقدم ما صنف في هذا الفن ، لكنه متساهل في الحكم على الحديث بالوضع ، لذا انتقده العلماء وتعقبوه .

- تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة ، لابن عرَّاق الكِنَانِي ، وهو كتاب حافل مهذب مفيد .

- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ، للشوكاني .


و أسأل الله تعالى ربّي أن يوفقنا لتعلم شرعه و خدمة دينه و تبليغ رسالته للعالمين ، و أن يمنَّ علينا بالإخلاص في ذلك كله ، و أن نجد قلوبا واعية لما نذْكُرُهُ و نُبَيِنُهُ ، و إخوان صدق يحملون الرسالة بقوة و فهم ووعي ، و جزى الله عنَّا مشايخنا خيرا ، فقد علَّمُونا و أدَّبُونا و صبَرُوا علينا ، و صلَّى الله وسلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق